عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 11 آذار 2016

خارطة الجهل

بقلم: درور أتيكس- هآرتس

هذه خارطة معيارية يدرسها طلاب الصف السابع في دروس الجغرافيا حول "اسرائيل"، كما يشير عنوانها. العنوان لا يوضح اذا كانت الخارطة هي لـ "دولة اسرائيل" أو "ارض اسرائيل". لكن نظرة سريعة تظهر أنها ليست خارطة سياسية – تشمل مناطق كاملة ليست في داخل دولة اسرائيل السيادية. وهي ليست خارطة "ارض اسرائيل" حسب حدود الوعد الالهي التي تمتد من نهر مصر الى نهر الفرات الكبير.

الخط الاخضر محي من الخرائط منذ بداية السبعينيات. وبذلك تم اعفاء الطلاب من الحاجة الى معرفة الحدود الشرقية الرسمية لدولتهم. وليس غريبا أن اغلبية الاسرائيليين اليوم لا يميزون بين "دولة اسرائيل" – مفهوم سياسي عصري. وبين "ارض اسرائيل" – مفهوم ديني تاريخي ورومانسي لم تكن له أبدا حدود واضحة.

رغم أن الخط الاخضر يتم رفضه، كذلك القرى العربية داخل دولة اسرائيل محيت باستثناء أم الفحم والناصرة، هكذا يتم اعفاء طلاب الصف السابع من مواجهة حقيقة أنهم يعيشون في دولة فيها 1.7 مليون شخص، أكثر من 20 في المئة من سكانها هم فلسطينيون.

الامر الغريب هو أنه من الجهة الشرقية للخط الاخضر يظهر الفلسطينيون كأقلية، رغم أن هذه الاقلية تشمل 82 في المئة من السكان. إنهم يسكنون في مئات المدن والقرى، لكن عدد قليل من المناطق الفلسطينية تظهر في الخارطة، لا سيما المدن المركزية. المستوطنات مثل كرنيه شومرون (6500 شخص) وكريات أربع (7000 شخص) تظهر بحجم المدن الفلسطينية. ولا يوجد أي ذكر لمناطق أ و ب في الخارطة، المناطق التي تم انشائها في اعقاب اتفاق اوسلو الذي تم توقيعه قبل مولد طلاب الصف السابع بعشر سنوات.

نظرة الى الجانب الجنوبي الغربي من الخارطة تبعث على الاعتقاد أن احدى المشكلات الدامية لاسرائيل قد حلت أو أنها لم تكن أصلا. مكتوب هناك "خط الشاطيء الجنوبي" وفي داخله يوجد "شريط غزة"، الامر الذي لا يسمح للطلاب الذين يسمعون احيانا الاخبار من الجنوب بأن يفهموا أنه يوجد هناك قطاع غزة الذي يعيش فيه 1.8 مليون فلسطيني على مساحة تبلغ 360 كم مربع.

إن من يستخدم هذه الخارطة لتعليم الاولاد الاسرائيليين الجغرافيا المحلية دون الكشف عن النواقص فيها، يضر بحق الاولاد في تعلم الجغرافيا والتاريخ الاساسيين لوطنهم. ويضر بقدرة طلاب الصف السابع على فهم الواقع السياسي والديمغرافي الذي ولدوا فيه ويؤثر على قدرتهم اذا أرادوا في المستقبل المشاركة في تشكيل هوية المجتمع والدولة أو تبني مواقف سياسية، يمينية أو يسارية.

في هذه الخارطة يكمن أحد أسرار تزايد قوة اليمين الاسرائيلي على صورته الحالية: هذا يمين تزداد قوته كلما استمرت الحكومات في استغلال احتكارها في تحديد التعليم الحكومي من اجل الحرب ضد حق وواجب معرفة الاشخاص للواقع الذي يعيشون فيه. هذا يمين ما زالت دروس الجغرافيا والخرائط من هذا النوع جزء حيوي في تبلوره. هذا يمين تشكل في معظمه نتيجة ترك المجتمع الاسرائيلي للمعارف في صالح السادية العقلية التي يقف من ورائها الجهل العلمي. هذا يمين وُجد لأن حكومات اسرائيل تستخف بحقوق مواطني الدولة في الحصول على التعليم العالي.

الادعاء المفهوم عن رفض الحريديين تعليم شؤون الصراع في مؤسساتهم التعليمية، يُقال وبحق منذ عشرات السنين. كل شخص لم يطلق الواقع يفهم أن الدولة العصرية لا يمكنها أن تسمح – أو تمول – لجهاز تعليمي يوافق على مصادرة قدرات الطلاب على العيش باستقلالية. ويتبين أن تيار التعليم الحكومي يختار، باسم تعزيز "الهوية القومية"، محاربة قدرة باقي مواطني الدولة على التفكير بشكل مستقل.

لكن هذا السر يفهمه ايضا العرب الذين يعيشون هنا. ورغم محاولات مُعدي الخارطة اخفاء هذه الحقيقة. إلا أن العرب يلخصون هذه المهزلة بالجملة التالية: "العقل تغلب على الدولة". أي أن العقل والمعرفة يهددان السلطة.