عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 تشرين الأول 2026

جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 11)

زيتونيات- فياض فياض

محافظة رام الله والبيرة.. تباين القوام ومفارقات البورصة الجغرافية العابرة للمحيطات

نختتم اليوم في الحلقة الحادية عشرة من "جغرافيا الزيتون الفلسطيني" جولتنا في المنطقة الوسطى من أرض الوطن، لنحط الرحال في المحافظة الأكثر اتساعاً وتأثيراً في الحراك التجاري والمؤسساتي؛ في محافظة رام الله والبيرة، لنغلق بذلك ملف الوسط تماماً بعد أن شرفنا بالحديث عن العاصمة القدس الشريف، تمهيداً للانتقال في الحلقات المقبلة نحو محافظات الجنوب (بيت لحم والخليل).

تتميز محافظة رام الله والبيرة بهوية زراعية وتصديرية فريدة يصوغها واقع الحقل والبورصة المحلية، وأبرز خصائصها ومفارقاتها الميدانية في النقاط العلمية التالية:

1 - معضلة المساحة مقابل الإنتاج الفعلي:

تتربع محافظة رام الله والبيرة زراعياً في المرتبة الثانية كأكبر محافظات الوطن من حيث مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون. بعد محافظة جنين، ولكن المفارقة الفنية هنا، أن هذه الصدارة المساحية الشاسعة لا تترجم عملياً إلى احتلال المركز الثاني من حيث كمية الإنتاج الكلي للزيت؛ وذلك نظراً لعدة عوامل طبوغرافية وهيكلية تؤثر على معدلات السيولة السنوية مقارنة بمحافظات الشمال الغزيرة.

2 - صراع القوام والثقافة الزيتونية (قرى شرق رام الله مقابل الغرب):

تنقسم جغرافيا المحافظة ميدانياً إلى هويتين مناخيتين تؤثران مباشرة على كيمياء وحسية المنتج؛ حيث يركز المزارعون والمستهلكون العاديون (بناءً على الثقافة الدارجة وليس على أسس كيميائية مخبرية) على تصنيف الزيت إلى "زيت ثقيل" و"زيت خفيف". هذا التباين يحكمه التوزيع الجغرافي:

- قرى شرق رام الله: تمتاز بمرتفعات جبلية شاهقة ومناخ يميل للجفاف، مما يمنح زيتها قواماً مختلفاً يفضله محبو النكهات القوية الحادة.

- قرى غرب رام الله: المنفتحة تلالها اللطيفة على الساحل والرطوبة الدافئة، مما ينتج زيتاً بسلاسة ونعومة في القوام وفاكهية واضحة.

3 - مفارقات الأسعار والبورصة الجغرافية:

تشهد أسواق رام الله تبايناً حاداً وغير علمي في الأسعار؛ فالتقدير السعري لا يعتمد على التحاليل المخبرية لنسب الحموضة (الأشيد) أو البيركسيد، بل يعتمد على "جغرافيا تقليدية" تمنح بعض القرى أفضلية سعرية فلكية عن غيرها حتى داخل النطاق الجغرافي الواحد. وبشكل عام، فإن إنتاج رام الله من الزيت لا يكفي نهائياً لاحتياجات سكانها المتزايدة؛ مما يجعل أسعار الزيت داخل المحافظة هي الأعلى على مستوى الوطن وتتجاوز بفارق ملحوظ أسعار بورصة شمال الضفة الفلسطينية المحتلة.

4 - صدارة العناية العضوية والنقاء البيئي:

إذا كان أهلنا في سلفيت يمتازون بالانضباط الحديدي في مواعيد القطاف؛ فإن مزارعي رام الله يمتازون بوعي بيئي رائد يتمثل في العناية العضوية الصحيحة للأشجار والامتناع الشبه كامل عن استخدام مبيدات الأعشاب الكيماوية في الحقول، مما يحمي التنوع الحيوي للتربة ويمنح زيتها نقاءً فطرياً فائقاً وخلوّاً من المتبقيات السمية. ويتعزز هذا الوعي بوجود المقرات الرئيسية لكبرى مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الزراعية والتنموية في رام الله، مما يمنح الفلاحين فرصاً استثنائية للاستفادة من مشاريع الدعم، والتطوير، وبناء القدرات مقارنة بغيرهم.

5 - بورصة الأمانات الدولية العابرة للمحيطات:

تنفرد رام الله والبيرة بحركة تصديرية ونشطة جداً في إرسال "الأمانات والهدايا العائلية" عبر المحيطات إلى الولايات المتحدة الأميركية وكندا تلبيةً لطلب المغتربين من أبناء المحافظة؛ مما يجعل هذا الزيت سفيراً ثقافياً واقتصادياً لبلادنا، ويعزز القدرة على انتزاع أسعار نخبوية تدعم صمود الفلاح فوق أرضه التي واجهت أشرس الانتهاكات بواقع 506 اعتداءات مباشرة في أيلول المنصرم تطلبت استنفار "العونة الأهلية" الشاملة لحماية قوت المواطنين.

إن توثيق هذه الفوارق والمفارقات لرام الله، يمهد الطريق لحلقاتنا القادمة التي سننتقل فيها لجنوب الوطن وتحديداً لـمحافظة بيت لحم مهد المحبة والسلام.