عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 تشرين الأول 2026

جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 10)

زيتونيات – فياض فياض

 

محافظة القدس الشريف.. بركة "الزيت المقدس" وجبل الزيتون الشاهد على هوية المنشأ

ننتقل اليوم في الحلقة العاشرة من "جغرافيا الزيتون الفلسطيني" إلى وسط فلسطين؛ لنقف بكامل الهيبة والوقار العلمي والتاريخي أمام جغرافيا معجونة بالقداسة والبركة السيادية العابرة للقرون؛ لنحط الرحال في محافظة القدس الشريف، حيث تتلاقى أوراق الزيتون الخضراء مع قباب السماء، وتنطق حبات الشجر بلسان الصمود وروحانية البلاد.

تكتسب جغرافيا الزيتون في القدس أبعاداً استراتيجية وتصديرية فريدة تمنحها الصدارة المطلقة في مفهوم "المؤشر الجغرافي السيادي"، ونفند أبرز هذه الركائز الميدانية والعلمية في النقاط التالية:

1 - جبل الزيتون" وبروتوكول الزيت الملكي البريطاني:

ترتبط شجرة الزيتون في العاصمة ارتباطاً وثيقاً بـ "جبل الزيتون" (طور زيتا). هذا الجبل الشاهد على مسيرة الأنبياء والمعجزات الروحية، يضم أشجاراً معمرة تُعد من بين الأقدم في العالم. ومن الطقوس الموروثة والبروتوكولات الملكية الضاربة في القدم بأوروبا، لا يتم تتويج ملوك بريطانيا في كنيسة وستمنستر إلا بمسح أجسادهم بـ "الزيت المقدس" المستخلص حصراً من جبل الزيتون بالقدس الشريف. وفي مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، تم مسح جسده بـ "زيت الميرون المقدس" المقطوف والمعصور من دير مريم المجدلية ودير صعود العذراء فوق الجبل. هذا العرف الدولي هو اعتراف بروتوكولي عالمي بنخبوية ذهبنا الأخضر الذي ينظر إليه العالم كعنوان للبركة والسلام الشامل.

2 - مبادرات الرعاية السيادية للمقدسات قبل أكتوبر 2023:

تاريخياً، وإيماناً بقدسية هذه الثروة الروحية، قاد مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني وبإشرافي ورئيس مجلس الادارة - قبل الحرب وأحداث السابع من أكتوبر- مبادرة استراتيجية وبتوجيه وتنسيق كامل مع الأخت المهندسة فيحاء نجم، مديرة زراعة محافظة القدس؛ حيث قمنا بتغطية وتأمين كافة مستلزمات لوازم العناية الزراعية لـ 700 شجرة زيتون مباركة داخل باحات المسجد الأقصى، ولـ 700 شجرة زيتون معمرة تتبع مستشفى المطلع (أوغستا فيكتوريا)، إلى جانب رعاية 20 دونماً من حقول شجر الزيتون التابعة لمجموعة الكنائس في القدس. هذا المشروع أكد دورنا الفني في صيانة الأصول الوراثية وتثبيت الهوية الزراعية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في العاصمة .

3 - نموذج مستشفى المطلع: هندسة التسويق النخبوي لزيت الأرض المقدسة:

يقدم مستشفى المطلع في القدس نموذجاً زراعياً واقتصادياً مبهراً في إدارة الـ 700 شجرة معمرة المتواجدة في أراضيه؛ حيث تعيش هذه الأشجار في وضع فني وممتاز جداً نتيجة الرعاية المستمرة. ويتم تسويق وعصر هذا الزيت بذكاء استثماري استثنائي؛ إذ يُباع زيتها بالكامل في الأسواق الأوروبية داخل عبوات زجاجية فاخرة صغيرة سعة 100 ملم تحت شعار "زيت زيتون من الأرض المقدسة"، وهو منتج نخبوي يحظى بطلب شرس في الخارج ويحقق عوائد مالية عالية، في حين يتم تلبية واستهلاك احتياجات المستشفى الداخلية من الزيت المتداول محلياً في فلسطين. هذا النموذج التصديري الذكي هو الرسالة الحقيقية التي يجب أن ننقلها للعالم؛ زيت القدس ليس مجرد دسم، بل هو رسالة سلام وهوية منشأ عابرة للحدود.

4 – "عونة القدس" وتلاحم المنظومة المؤسساتية بالرام:

ميدانياً، تواجه حقول الزيتون في القدس تحديات جيوسياسية صعبة بوقوعها في المربعات الساخنة المحاصرة بالجدار والاستيطان، حيث سجلت الهيئة 149 اعتداءً مباشراً في أيلول المنصرم. ورداً على هذا الحصار، انطلقت حملة "عونة القدس الشريف" من بلدة الرام تحت إشراف وتوجيه الأخت الدكتورة تهاني اللوزي، وبمشاركتي كخبير ومستشار في إدارة المنظومة التكافلية؛ حيث تميزت الحملة هذا العام بـتكامل، لكافة مفاصل الدولة والمؤسسات الشريكة؛ بمشاركة وزارة الزراعة، والحكم المحلي، والبلديات، والدفاع المدني، والأجهزة الأمنية بكافة أصنافها، إلى جانب الهلال الأحمر، والصليب الأحمر، والارتباط المدني والعسكري، ومنظمة "أوتشا" الدولية (OCHA)، واتحاد الفلاحين، والمركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (ESDC)  وتم تحديد وحصر كافة الخرائط والمناطق الساخنة المستهدفة بالزحف الجماعي لحماية الفلاحين وتأمين المحصول وعصره فوراً، دون عتبة 28 درجة مئوية  .

إن زيت القدس الشريف هو عنوان بركتنا السيادية، وتثبيت هذه الفوارق البحثية والتسويقية في أروقة المجلس الدولي للزيتون (IOC) هو سلاحنا العلمي القادم، تمهيداً لحلقتنا الحادية عشرة التي سننتقل فيها نحو محافظة رام الله والبيرة لاستكمال محافظات الوسط .