من العبيدية إلى العشرة الأوائل عالمياً.. محبوبة الحساسنة ترفع راية فلسطين فوق منصات الكراتيه

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم تكن محبوبة خالد دار صبيح الحساسنة تتوقع أن ترى اسمها يوماً بين أفضل عشر لاعبات كراتيه في العالم. كانت تعرف أن الوصول إلى قائمة العشرين الأوائل هدف ممكن، وهو التصور الذي وضعه مدربها، وكانت تطمح إلى أن تكون بين اللاعبات المتقدمات، لكن الرقم الذي ظهر أمام اسمها فاجأها هي قبل غيرها: المركز العاشر عالمياً.
تصف محبوبة شعورها لحظة معرفتها بالتصنيف لـ "الحياة الجديدة": وتقول كان "شعوراً رهيباً جداً"، لم أكن أتوقع الوصول إلى المركز العاشر تحديداً"، رغم أنها وضعت لنفسها هدفاً بأن تكون من اللاعبات الأوائل، وكانت تأمل في التتويج بذهبية جديدة. بالنسبة إليها، لم يكن المركز مجرد رقم في تصنيف دولي، بل محطة تؤكد أن سنوات التدريب والمنافسة والتعب لم تذهب سدى.
وراء هذا الإنجاز حكاية بدأت في سن مبكرة، عندما شاهدت ابنة شقيقتها تمارس الكراتيه، فقررت أن تجرب الرياضة نفسها. لم تكن تنظر إليها آنذاك باعتبارها رياضة قاسية، بل تجربة جديدة لفتاة تحب الرياضة منذ طفولتها. ومن تلك التجربة الأولى بدأت رحلة أخذت تكبر معها عاماً بعد آخر، حتى أصبحت الكراتيه جزءاً أساسياً من حياتها وهويتها.
وتتوقف محبوبة عند بطولة آسيا التي شاركت فيها وهي في الرابعة عشرة من عمرها، باعتبارها إحدى المحطات المفصلية في مسيرتها. كانت تلك البطولة بداية مرحلة جديدة بالنسبة إليها، وأثبتت لها أن الطريق إلى المنافسة الدولية ليس حلماً بعيداً، وإنما طريق يمكن أن تسلكه بالإصرار والعمل.
قبل وصولها إلى المركز العاشر عالمياً، كانت محبوبة صنعت حضوراً عربياً لافتاً بتتويجها بذهبيتين متتاليتين في البطولة العربية، لتصبح، أول لاعبة فلسطينية تحقق هذا الإنجاز في تاريخ البطولة. ولهذا، فإن لحظة التتويج الأولى عربياً ما زالت تحتفظ بمكانة خاصة في ذاكرتها.
تقول في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة": إن الشعور آنذاك تجاوز فرحة الفوز الشخصي، خصوصاً عندما رأيت فرحة من حولها، وأدركت أن الميدالية لم تكن لي وحدي، وإنما كانت لبلد كامل ينتظر لحظات الفرح". ومن هنا، أصبح رفع العلم الفلسطيني بالنسبة إليها جزءاً من كل منافسة، ورسالة تريد إيصالها إلى العالم بأن فلسطين حاضرة، حتى في أصعب الظروف.
"لا أحمل حقيبتي الرياضية وحدها"
لا تخفي محبوبة أن طريقها لم يكن سهلاً، وأن اللاعب الفلسطيني لا يخوض المنافسة في ظروف تشبه بالضرورة تلك التي يعيشها كثير من منافسيه حول العالم. وتقول إن الرياضيين الفلسطينيين يحاولون قدر الإمكان توفير ظروف تدريب قريبة من المتاح عالمياً، والعمل على ألا ينقصهم شيء، لكن الفروقات تظل واضحة، والظروف الصعبة تفرض نفسها في كثير من الأحيان.
وتظهر هذه الصعوبات بصورة أكبر عندما يحين موعد السفر للمشاركة في البطولات الخارجية. فالحواجز والحدود والظروف التي يعيشها الفلسطينيون تترك أثرها على حركة الرياضيين، وتضيف إلى الاستعداد للمنافسة تحديات أخرى لا علاقة لها بالملعب.
ومع ذلك، تنظر محبوبة إلى هذه الصعوبات من زاوية مختلفة؛ فهي ترى فيها دافعاً إضافياً للتحدي وإثبات القدرة على النجاح. وتقول إنها كانت تشعر في كل مرة بأنها قادرة على الفوز ورفع علم فلسطين، حتى عندما لا تكون الظروف مهيأة بالشكل الذي تتمناه.
وعندما تقف لاعبة فلسطينية على منصة دولية، فإنها لا ترى نفسها وحدها في تلك اللحظة. تقول محبوبة إنها تشعر بأنها قد تكون في لحظة ما بصدد كتابة تاريخ جديد لفلسطين، وأنها تستطيع أن تكون سبباً في فرحة بلدها، ولذلك فإن رفع العلم بالنسبة إليها يحمل شعوراً بالفخر والمسؤولية في آن.
الخسارة التي علّمتها كيف تفوز
لم تكن كل محطات الطريق انتصارات. تتذكر محبوبة خسارتها في بطولة محلية داخل فلسطين، وهي خسارة لم تكن تتوقعها وتركت أثراً كبيراً فيها. لكنها تعلمت مع الوقت أن الخسارة جزء من الطريق، وأن على اللاعب أن يتعامل معها باعتبارها درساً لا مبرراً.
وتستعيد أيضاً خسارتها في بطولة الفجيرة بالإمارات، التي كانت أول بطولة دوري عالمي تشارك فيها، باعتبارها واحدة من أهم التجارب التي غيرت طريقة تعاملها مع المنافسة. هناك تعلمت كيف تتقبل الخسارة من دون تبرير، وكيف تتعامل مع النتيجة بروح رياضية، وأن تكون قادرة على العودة إلى التدريب بدلاً من البقاء عند لحظة الهزيمة.
ولا تخفي أن الخسارة تؤلمها؛ فهي، كما تقول لـ "الحياة الجديدة"، تتقبلها بحزن شديد، لكنها تحاول دائماً أن تحمد الله وتؤمن بأن الخير في القادم. وربما لهذا السبب تحديداً أصبحت الهزيمة بالنسبة إليها محطة للعودة، لا نهاية للطريق.
ساعتان من التدريب.. وحياة تتغير قبل البطولة
تتدرب محبوبة نحو ساعتين يومياً، لكن الإيقاع يتغير تماماً عندما تقترب البطولات. عندها تدخل في مرحلة أكثر كثافة، تشمل التمارين والإعداد البدني والنظام الغذائي، بحيث يصبح كل شيء موجهاً نحو يوم المنافسة.
ورغم سنوات الخبرة، فإن أكثر ما تخشاه قبل دخول المباراة ليس الخسارة بحد ذاتها، وإنما ألا تقدم المستوى الذي تتوقعه من نفسها. فالتحدي الأكبر بالنسبة إليها هو أن تكون عند مستوى الطموح الذي وضعته لنفسها، وأن تشعر بعد المباراة بأنها قدمت كل ما لديها.
وفي هذه الرحلة، لم تكن محبوبة وحدها. خلفها عائلة آمنت بها، وكانت والدتها على وجه الخصوص الداعم الأكبر لها. تقول إن عائلتها كانت على يقين بأنها ستصل إلى ما تتمنى، وإن هذا الإيمان منحها قوة إضافية في الأوقات الصعبة.
أما نادي صلاح الدين الرياضي/ دار صلاح، فتصفه بأنه "أساس هذا الفوز، مؤكدة أن المركز العاشر عالمياً لا يمكن اختزاله في إنجاز فردي، بل هو ثمرة عمل منظومة كاملة، من المدربين والجهاز الفني إلى الأسرة والنادي والاتحاد وكل من قدم لها الدعم والثقة.
وتوجه محبوبة رسالة شكر إلى كل من وقف معها، خصوصاً من منحها ثقته ولم يشكك في قدراتها، مؤكدة أن الدعم النفسي والإيمان باللاعب يمكن أن يصنعا فارقاً كبيراً في لحظة يحتاج فيها الرياضي إلى من يقول له: أنت قادر.
من المركز العاشر إلى حلم الرقم واحد
المركز العاشر عالمياً لم يغلق دائرة الحلم لدى محبوبة، بل فتح أمامها باباً جديداً. فهي لا تخفي أن الهدف المقبل هو الوصول إلى المركز الأول عالمياً، وأن حلمها الأكبر هو الوقوف على منصة بطولة العالم ورفع العلم الفلسطيني عالياً.
وترى أن اللاعبة الفلسطينية تمتلك القدرة على المنافسة، لكن ما ينقصها، من وجهة نظرها، هو مزيد من الدعم المادي والمعنوي، حتى تستطيع الاستمرار في التطور ومواجهة لاعبات يحصلن على إمكانات أكبر وظروف إعداد أكثر استقراراً.
وحين تتعب أو تشعر بثقل الطريق، تعود في ذهنها إلى صورة واحدة: نفسها وهي تتوج بطلة للعالم. تلك الصورة، كما تقول، تمنحها القوة للعودة إلى التدريب ومواصلة الطريق.
وللفتيات الفلسطينيات اللواتي يبدأن اليوم خطواتهن الأولى في الكراتيه، تختصر محبوبة تجربتها في رسالة بسيطة: "قاتلي من أجل حلمك". فهي تعرف أن لكل فوز ثمناً، وأن الطريق إلى المنصة لا يخلو من التضحيات.
وعندما تنظر اليوم إلى اسمها في المركز العاشر عالمياً، لا ترى نهاية الرحلة، بل بداية جديدة، وبمسؤولية أكبر. تقول إن المكان لم يعد يتسع للتراجع، وإنما للتقدم فقط، وإنها تريد أن تكون على قدر هذه المسؤولية، وأن تصل إلى ما يرضيها ويرضي وطنها ويليق بما تحلم به.
وفي نهاية الحكاية، لا تنسب محبوبة ما وصلت إليه إلى نفسها وحدها، بل تختم ببساطة تشبه إيمانها بالطريق الذي قطعته: "ولله الفضل من قبل ومن بعد".
مواضيع ذات صلة
من العبيدية إلى العشرة الأوائل عالمياً.. محبوبة الحساسنة ترفع راية فلسطين فوق منصات الكراتيه
فلسطينيان يتأهلان إلى نهائي "B" في منافسات التجديف بآسياد ناغويا
منتخبنا يلاقي سانت لوسيا في انطلاق مشواره بكأس العالم تحت 15 عاما
بعثة فلسطين تصل سمرقند للمشاركة في أولمبياد الشطرنج العالمي 2026
فلسطين في المجموعة الأولى ببطولة غرب آسيا للناشئين
الفدائي الشاب على بُعد خطوة من تأهل تاريخي إلى كأس آسيا
أبطال الجوجيتسو يتألقون في بنما والأردن ويحصدون الذهب