طائر القيسوم قصة قصيرة
صالح مشارقة

منقطعا يحدج البرية بنظرات عتاب منسحب، يؤبن قيس المدفون تحت جذور الأشجار الشائخة، بلاهته تغري مفترسيه، أسرابه الناحبة ذات باللون البري تتكاثر كالدود في الربيع، وإذا ما جاء الصيف وبسط الجوع سلطانه، تقحف الكواسر صغاره من دحاحيها امام عينيه، فينوح مفتتحا مأتمه الأزلي حتى بداية ربيع آخر.. صبور حتى النفاد، ينشد بكائياته الحزينة، مطوقا صدره بسوار ازرق مشربش كإكليل المدافن والجنازات، ولم يجرب يوما افتراس فراشة جريحة او حتى ذبابة ضئيلة، يعتاش على اجترار بكائياته الواهنة.
واخيراً، جاء الابن، الوارث أنفاس أبيه، المنتظر الوحيد ستين سنة حتى يأتي، خسرانا بذلك زواجين فاشلين، وتسعة ابناء دفنهم وباء فتك بقاطني الخلاء والسهوب، وكان الاب يدهن جسد صغيرة بالزيت المفتر على رماد قهوة المساء، فأورثه حمرة خطت جلده القليل، حمرة حدت بالراعيات الماجنات ترك ماشيتهن وكشف ملابس الصبي الصغير، والتفرج على بلوط صدره واكتافه المشواة، ورحن يطحن به بين صدورهن على حلل القش لاهيات منتشيات.
أمه الزوجة الثانية الصغيرة، المنحدرة من البيت الفقير، تعلق ضفيرتيها على كتفيها، تجري وراء احدى عشرة بقرة وثورا، وتسحب حمارا أخضر عضاضا، ربطت لجامه في حزامها، وفي الحصاد لا يجرؤ الرجال على مجاراتها في جم الزرع، ولف شمالات القمح.
ويكبر ماجد الولد صاحب الرقبة الارجوانية النحيفة، وجهه كحبة زعرور يبس في ظهيرة لاهبة، وتحبه الخراف، تبرطع له اذا اقترب، مشيته تثير زقزقات العصافير المختلفة على اشجار الخروب والتين، ماجد الذي لعقت الكلاب ركبته هازة أذيالها امتناناً وتودداً، ممرغة أنوفها على ملابسه.
ماجد الذي كانت ترقيه المسنات من عيون المسنين الحاسدة، ماجد الذي كانت تبتسم له الأفراس نافشة أذنابها الحريرية وترفع له الابقار رؤوسها من المذاود اذا مر عنها خائفاً.
ماجد نصف طائر ونصف انسان، كطائر قيسوم يفسح بمنقاره إبر الصنوبر ليجد اعشاشه خالية من صغار.. لا ينتظر.. يصرخ ويهرب بعيداً، يجوع نفسه، لا يلتقط الحبوب التي يتركها له الفلاحون، اسرابه تطل على جوقة فصل النحيب على الصغار التي اكل العقاب احدها ودفن جثة الآخر تحت جذور الشجرة الكبيرة، لوجبة اخرى.
ويكبر ماجد، يشتد جلده كما توقع الأب، وللفتى الربيعي تتفتح مسامات يسيل منها عرق اذا ما اتم عملا، ويذهب مع اقرانه، يفرطون السنابل المحشوة بالقمح الاخضر المطلوب لامه، ومن بين الزرع الذي يغمره حتى صدره، ينادي ماجد أصدقاءه يخبرهم بانة وجد صرة حديدية ثقيلة، فيتجهون صوبة، وقبل وصولهم، يهب حوله عمود دخان اسود يتعالى، وتنفجر الكرة، وتضرم النار في الزرع الاخضر، الفتيان الفزعون يقعون على وجوههم من صرخة الدخان، ويطير ماجد.. يطير عالياً..عاليا والدخان ينزع عنه اسماله المزركشة.. يطير الجسد الارجواني عالياً.. يلاقي عباب الغيوم المتلبدة فوق الحقل الذي اصبح مهجعاً لأسراب غريبة من الذئاب ذات الافواه الجيفية المنتفخة.
يهمي، يعدل عرفه الاسود، ينفض عن جلده الرائحة البئرية، الآتية من طحالب اعناق آبار مثقوبة، يرخي نشيده الفحولي على السهوب الصفراء، تمخر براري الجفاف، تلذع آذان القيلولة في المغارات المندسة في اضلع التلال، وتهز قامات عرائش الحصاد هرمية الاوتاد، وتركن الكائنات لهذا الايقاع المتشائم مرتعش الحناك، وينوح:
يا قيس قوم
صلي وصوم
وارعى البقر
تحت الشجر
حتى يجي المطر.
صيف 1996
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين