عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » التعليم و الجامعات » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 06 أيلول 2026

الوزير برهم: لا نملك رفاهية انتظار انتهاء الأزمة لإصلاح التعليم.. والكتاب لن يُلغى.. والذكاء الاصطناعي لن يكون بديلاً عن التفكير

وزير التربية والتعليم العالي يفتح ملفات التعليم الصعبة في حوار مع "الحياة الجديدة"

الوزارة تتحرك بين إصلاح طويل الأمد وإدارة تحديات يومية فرضها الاحتلال

الاحتلال يهدّم المدارس.. ونحن نبني مسارات جديدة للتعليم.. وأمن الطلبة خط أحمر

أجرت الحوار: عبير البرغوثي

تتقاطع في فلسطين أزمات التعليم مع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وبسبب هذا التقاطع، لم تعد مهمة وزارة التربية والتعليم العالي تقتصر على إدارة عام دراسي وفق تقويم تقليدي، أو متابعة المدارس والجامعات، بل باتت أمام اختبار يومي يتعلق بقدرتها على حماية حق الطلبة في التعليم، وتعويض الفاقد التعليمي، ومواكبة التحولات التكنولوجية، وفي الوقت ذاته التعامل مع الإضرابات والأزمة المالية والإغلاقات والاقتحامات والاستهداف الإسرائيلي المتواصل للمنظومة التعليمية.

في هذا الحوار الصريح مع "الحياة الجديدة"، يضع وزير التربية والتعليم العالي د. أمجد برهم واقع التعليم الفلسطيني أمام جملة من الأسئلة الصعبة التي تفرضها الأزمة المالية، والإضرابات، والفاقد التعليمي، واستهداف المدارس والجامعات، إلى جانب التحولات المتسارعة التي تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. الوزير لا ينكر حجم التحديات، لكنه يرفض أن تتحول الأزمات إلى مبرر لتعليق الإصلاح.

يؤكد الوزير برهم أن الوزارة تتحرك على مستويين متوازيين: الأول يتمثل في تنفيذ رؤية إصلاحية بعيدة المدى تحت عنوان "التعليم من أجل التنمية"، والثاني التعامل مع التحديات اليومية التي فرضتها الظروف الراهنة. ويشدد على أن صعوبة الواقع لا تعني التراجع عن تطوير التعليم، بل تستدعي البحث عن أدوات جديدة تضمن استمراره وتحسين مخرجاته.

ويضع برهم التعليم الفلسطيني في قلب معركة الحفاظ على المجتمع، مؤكداً أن الوزارة تعمل على تطوير التعليم التفاعلي، وتوسيع التعليم المهني والتقني، وتحديث المناهج والبرامج، وتعزيز البحث العلمي، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، دون التخلي عن الكتاب المدرسي أو الورقة والقلم، وبما يحافظ في الوقت ذاته على الرواية الوطنية الفلسطينية.

 

إصلاح التعليم وسط أزمة مفتوحة

يقرّ برهم في سياق حديثه لـ"الحياة الجديدة" بأن الظروف التي يعيشها شعبنا انعكست على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع التعليم، خصوصاً بعد حرب الإبادة على قطاع غزة وما رافقها من هدم وتدمير واسع للمدارس والجامعات، واستشهاد عدد كبير من العلماء والأساتذة والأكاديميين.

ولا تتوقف التحديات، وفق الوزير، عند آثار الحرب في غزة، إذ تشمل الإغلاقات والحواجز والبوابات الحديدية، إضافة إلى ما يجري في القدس من انتهاك لحق المقدسيين في التعليم ومحاولات حرمانهم من دراسة المنهاج الفلسطيني.

ورغم اتساع هذه التحديات، يرى برهم أن العملية التعليمية يجب أن تستمر، وأن الوزارة لا تستطيع الانتظار إلى حين انتهاء الأزمات للبدء بالإصلاح. ولهذا تعمل الوزارة على مستويين؛ الأول من خلال مبادرة "التعليم من أجل التنمية"، التي تهدف إلى النهوض بالعملية التعليمية استناداً إلى محاور وضعتها الحكومة الفلسطينية، والثاني من خلال التعامل المستمر مع التحديات اليومية التي يفرضها الواقع.

ويشير إلى أن المبادرة بدأت بدراسة وتشخيص الواقع التعليمي في المدارس والجامعات، قبل وضع خطة للنهوض به ومواكبته للتطورات المتسارعة، لا سيما في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والمناهج والبرامج التعليمية.

ومن هنا، بدأت الوزارة، وفق برهم، بتطبيق التعليم التفاعلي والتعليم متعدد المصادر، وزيادة مساحة التعليم المهني والتقني في المدارس، والعمل على تحديث نظام الثانوية العامة، وتطوير البحث العلمي في الجامعات، إلى جانب تحديث البرامج والمناهج بما يجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات التكنولوجية.

 

"الوضع التعليمي جيد.. لكننا نطمح إلى الأفضل"

ويرى الوزير أن تقييم نجاح التعليم الفلسطيني لا يمكن اختزاله في نتائج الامتحانات وحدها، لأن التعليم، بالنسبة إليه، يمثل "الرئة الحيوية للمجتمع الفلسطيني والأسرة الفلسطينية"، ويؤكد أن فلسطين تملك رصيداً مهماً من الكفاءات التعليمية، وأن المعلم الفلسطيني يمثل أحد أبرز عناصر قوة النظام التعليمي، لما يتمتع به من انتماء للمهنة وللعملية التربوية.

وبحسب برهم، فإن الدراسة التشخيصية التي أجرتها الوزارة أظهرت مستوى مرتفعاً من الانتماء لدى المعلمين للخطة الجديدة، كما أن البيئة المدرسية، رغم الظروف الصعبة، لا تزال في مستوى جيد، فيما بدأ عدد كبير من المعلمين والمعلمات باستخدام وسائل تعليمية تواكب التطور التكنولوجي.

ويقول: "إن الوضع التعليمي في فلسطين "جيد" رغم كل التحديات، لكنه ليس الوضع الذي تطمح إليه الوزارة، التي تريد أن تكون مقومات دعم التعليم في المرحلة المقبلة أفضل، بما يمكنها من تنفيذ الأهداف التي وضعتها الحكومة".

 

التعليم متعدد المصادر.. الطالب من متلقٍ إلى باحث

ويشرح برهم أن الانتقال إلى مصادر التعليم المفتوحة، لا سيما في الصفوف الأولى، جاء بعد تشخيص أظهر وجود إشكاليات في اللغة العربية والرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية، إلى جانب تحديات مرتبطة ببعض البرامج التعليمية التي كانت مطبقة.

والهدف -كما يوضح لـ"الحياة الجديدة"- ليس إلغاء التعليم التقليدي، وإنما الانتقال بالطالب من موقع المتلقي للمعلومة إلى موقع المتفاعل معها والباحث عنها. ولذلك تسعى الوزارة إلى توظيف التفاعل واللعب في المراحل العمرية المبكرة، والاستفادة من المنصات التعليمية والفيديوهات والمصادر المتعددة.

ويشدد الوزير على أن التعليم متعدد المصادر لا يعني التحول الرقمي الكامل أو إلغاء الورقة والقلم، مؤكداً أن "الورقة والقلم" يظلان أساساً في العملية التعليمية، إلى جانب الكتاب المدرسي الذي سيبقى مرجعاً أساسياً، فيما تأتي المصادر الأخرى لتدعم العملية التعليمية وتساعد الأهالي أيضاً على متابعة أبنائهم.

واختيار الصفوف الأولى جاء، وفق برهم، بهدف بناء التجربة منذ البداية، ثم الانتقال بها تدريجياً إلى الصفوف اللاحقة، بما يسمح للطالب بالتقدم في مسار تعليمي أكثر تنوعاً وتفاعلاً، ويعزز ارتباطه بمدرسته.

 

من التجربة إلى التوسع.. والاختبار الحقيقي في النتائج

ويؤكد برهم أن الوزارة عملت على تجهيز المدارس بالوسائل التعليمية اللازمة لدعم التعليم متعدد المصادر، وأن الكتب والمنصات التعليمية جرى توفيرها للمدارس. ويشير إلى أن المدارس الفلسطينية مرتبطة بخدمات الإنترنت، وأن الوزارة قطعت خطوات أيضاً في مجال الامتحانات الإلكترونية، حيث تم تطبيق تجربة امتحان الثانوية العامة إلكترونياً على عينة بلغت نحو 20% من المدارس خلال العام الماضي، وكانت النتائج، بحسبه، مشجعة على توسيع التجربة.

وفيما يتعلق بالملاحظات التي أبداها بعض المعلمين حول نقص الأوراق والمواد أو البنية التحتية، يقول برهم إن الوزارة تابعت المدارس بصورة مستمرة للتأكد من سير التجربة وتحقيق أهدافها، وإن النتائج التي وصلت إليها كانت إيجابية.

ويضيف أنه زار بنفسه أكثر من أربع أو خمس مدارس واطلع على سير العملية التعليمية، مشيراً إلى أن بعض المعلمين كانت لديهم آراء مختلفة، لكن الغالبية العظمى من المعلمين ومديري المدارس الذين التقتهم الوزارة بعد تقييم التجربة أبدوا دعماً وتشجيعاً كبيرين للتعليم التفاعلي.

ويستعيد الوزير أيضاً بدايات التجربة، مشيراً إلى أن بعض الأهالي أبدوا في البداية غضباً وتحفظاً تجاه تغيير أساليب تعليمية استمرت لسنوات طويلة. لكن، بحسبه، تغيرت مواقف عدد منهم بعد مرور أكثر من شهرين على التطبيق.

ويشير إلى لقاءات عقدها مع مجالس أولياء الأمور، وإلى لقائه بأولياء أمور في مدرسة أبو غزالة بمدينة نابلس، حيث لمس تحولاً في الموقف من التجربة، بعدما انتقل بعض الأهالي، كما يقول، من التحفظ عليها إلى دعمها وتشجيع استمرارها.

 

القراءة والكتابة.. "خط أحمر"!

أما بشأن معيار الحكم على نجاح التجربة، فيؤكد برهم أن الوزارة تتابع العملية التعليمية باستمرار، وأن الاجتماعات مع المعلمين ومديري المدارس تشكل جزءاً من عملية التقييم.

ويشير إلى اجتماع تقييمي عقدته الوزارة مع مديري المدارس قبل نحو ثلاثة أسابيع، وقال إن نتائجه أظهرت دعماً وتشجيعاً للمضي في هذا النوع من التعليم، الذي يرى أنه ليس جديداً عالمياً، وإنما تأخر الفلسطينيون في تطبيقه.

وفي إطار الاستعداد للتوسع، يلفت إلى تدريب نحو 12,900 معلم ومعلمة على التعليم التفاعلي، مؤكداً أن التقييم خلال العام الحالي مستمر بصورة متواصلة.

لكن برهم يضع شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وهو الحفاظ على مهارات القراءة والكتابة، قائلاً إن هذا الموضوع يمثل "خطاً أحمر" بالنسبة للوزارة.

ويؤكد أن الورقة والقلم وأوراق العمل والقصص الإلكترونية والمنصات التعليمية ليست بدائل عن الأساسيات، وإنما أدوات مساندة للعملية التعليمية، معرباً عن ثقته بأن التجربة ستسير في الاتجاه الصحيح.

 

المعلم بين الإصلاح وأزمة الاستقرار الوظيفي

لا ينكر الوزير أن الأوضاع التي يعيشها المعلمون تؤثر في العملية التعليمية، لكنه يضعها في سياق أوسع من الأزمة الفلسطينية العامة، ويقول إن الاستقرار الوظيفي والعملية التعليمية والوضع المجتمعي تأثرت جميعها بالظروف الحالية، وهي ظروف "فرضت علينا"، لكنه يرفض أن تكون النتيجة التراجع إلى الخلف أو وقف مسار الإصلاح.

ويؤكد أن المجتمع الفلسطيني، في نظره، مجتمع متكافل ومتكامل وحريص على التعليم، معرباً عن أمله في أن تكون المرحلة المقبلة أفضل.

وعن تحسين وضع المعلمين قبل إدخال أدوات تدريس جديدة، يوضح برهم أن التأثر بالظروف الحالية لم يقتصر على المعلمين، بل شمل الأطباء والممرضين ورجال الأمن وسائر فئات المجتمع، مؤكداً أن الحكومة تسعى إلى دعم مختلف القطاعات، وأن رئيس الوزراء يولي قطاع التعليم أولوية كبيرة.

 

الإضرابات.. أزمة تتجاوز المطالب النقابية

وفي ما يتعلق بالإضرابات، يرفض برهم اختزالها في إطار فشل العلاقة بين الوزارة والمعلمين، معتبراً أن الأزمة المالية الحالية ليست نتيجة تقصير أو إهمال من الحكومة لمطالب المعلمين والعاملين. ويحمل الاحتلال المسؤولية عن الظروف المالية الصعبة التي تمر بها مختلف القطاعات، معتبراً أن القضية تجاوزت، في ظل هذه الظروف، كونها قضية مطلبية أو نقابية، لتصبح جزءاً من معركة الصمود والثبات على الأرض، في ظل العدوان الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين.

 

تعويض الفاقد التعليمي.. من "الإنقاذ" إلى خطة مستمرة

ويؤكد وزير التربية والتعليم العالي أن الوزارة تمتلك خططاً لتعويض الفاقد التعليمي، وأنها بدأت للمرة الأولى خلال العطلة الصيفية بتشغيل مدارس صيفية مخصصة لهذا الغرض.

وتركز هذه المدارس على مواد اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، بهدف تعويض جانب من الفاقد التعليمي الذي تراكم نتيجة الظروف التي مر بها الطلبة خلال السنوات الماضية.

ويرى الوزير أن هذه الإجراءات تمثل جزءاً من محاولة مستمرة للحفاظ على العملية التعليمية وعدم السماح للظروف الاستثنائية بتحويل الفاقد التعليمي إلى فجوة دائمة.

 

الكتاب المدرسي باقٍ.. والرواية الوطنية ليست موضع تفاوض

وينفي برهم أن يؤدي التعليم متعدد المصادر إلى تفكيك مركزية الكتاب المدرسي أو إضعاف الرواية التعليمية الوطنية، ويؤكد أن الكتاب المدرسي موجود وسيبقى مرجعاً، وأن الوزارة حريصة على السردية الوطنية الفلسطينية والثوابت الوطنية، وعلى أن يحصل الطالب على العلم والمعرفة بالتوازي مع امتلاكه مقومات الصمود والحفاظ على الأرض الفلسطينية.

وفي ما يتعلق بالسيادة الوطنية على التعليم في ظل الشراكات الدولية والاعتماد على المانحين، يشدد الوزير على أن المنهاج الفلسطيني هو المنهاج الذي تدرسه الحكومة الفلسطينية في المدارس.

أما المدارس التي تدرس مناهج دولية، فيوضح أن الوزارة تعمل على أن تكون هذه المناهج ذات "صبغة فلسطينية" وتحترم التراث والثوابت الفلسطينية، مؤكداً أن الهدف النهائي للعملية التعليمية هو إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية، ومسلح بالعلم والريادة والإبداع.

 

التعليم في مناطق الاستهداف.. "أمن الطالب أولاً"

وفي المناطق التي تتعرض للإغلاقات والاقتحامات والاستهداف، يؤكد برهم أن الوزارة تتعامل مع التعليم بوصفه جزءاً من منظومة الأمان المجتمعي. ويقول إن الأولوية هي ضمان وصول الطلبة إلى مدارسهم بأمن وأمان، ولذلك تؤمن الوزارة حافلات لنقل الطلبة في عدد من المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى المدارس.

ويشير إلى مناطق مثل معرجات في أريحا، والأغوار، ومنطقة المالح، ومسافر يطا، حيث أدى استهداف المدارس أو إغلاقها إلى صعوبة وصول الطلبة إلى التعليم. وفي هذه الحالات، تعمل الوزارة على نقل الطلبة من أمام منازلهم إلى أقرب مدرسة يمكنهم الالتحاق بها.

ويؤكد أن الوزارة تواجه يومياً تحديات جديدة، ما يفرض أحياناً تغيير خطط العمل خلال وقت قصير، في ظل ما وصفه بهجمات ممنهجة تهدف إلى تفريغ بعض المناطق الفلسطينية من سكانها.

ويشدد على أن "أمن الطالب أولاً، ثم أمن العملية التعليمية برمتها"، هو المبدأ الذي يحكم تعامل الوزارة مع هذه الظروف.

 

عام دراسي لا تقيسه الوزارة بعدد أيام الحضور

ويشير برهم إلى أن مفهوم العام الدراسي نفسه بات بحاجة إلى قدر من المرونة، لأن المعيار الأهم -من وجهة نظره- بالنسبة للوزارة ليس فقط عدد الأيام التي يقضيها الطالب داخل المدرسة، وإنما الحصيلة التعليمية التي يحصل عليها.

ولهذا تضع الوزارة خططاً تهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية في الظروف الاستثنائية، مع إمكانية تعديل هذه الخطط خلال ساعات أو أسابيع تبعاً للتطورات الميدانية.

ويؤكد أن الهدف النهائي هو أن يجتاز الطالب الحد المطلوب من العملية التعليمية، من خلال التعاون مع اتحاد المعلمين والمعلمين ومختلف القطاعات ذات الصلة.

 

غزة.. إعادة بناء التعليم من تحت الركام

وتشكل تجربة قطاع غزة أحد أكبر الاختبارات التي واجهت وزارة التربية والتعليم العالي خلال السنوات الأخيرة. ويصف برهم ما أحدثه الاحتلال في العملية التعليمية في القطاع بأنه "دمار بكل ما للكلمة من معنى"، مشيراً إلى أن 293 مدرسة من أصل 307 مدارس تعرضت للهدم الكلي أو الجزئي.

أما المدارس التي بقيت، فقد تحول عدد منها إلى ملاجئ للنازحين الذين فقدوا منازلهم، ما جعل إعادة تشغيلها كمدارس أمراً بالغ الصعوبة.

ويشير إلى أن نحو 720 ألف طالب وطالبة كانوا يتلقون تعليمهم في مدارس القطاع، مناصفة تقريباً بين مدارس الوكالة ومدارس الحكومة، فيما نزح أكثر من 23 ألف طالب وطالبة إلى مصر، إضافة إلى نحو 4,500 طالب جامعي كانوا موجودين في مصر، فضلاً عن نحو 5,000 طالب جامعي كانوا موجودين هناك قبل العدوان.

أمام هذا الواقع، لجأت الوزارة إلى إنشاء مدارس افتراضية لطلبة غزة، بمشاركة معلمين من الضفة الفلسطينية المحتلة، لتكون المدرسة الافتراضية مؤسسة تعليمية متكاملة تضم مديراً ومشرفاً ومرشداً ومعلمين، وتقدم التعليم من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر.

كما عملت الوزارة على إعادة الحياة إلى التعليم الجامعي، من خلال التنسيق مع رؤساء الجامعات في مصر، والاتفاق على استئناف الحياة الجامعية عبر التعليم الإلكتروني.

 

850 مركزاً تعليمياً وأكثر من 100 مدرسة مؤقتة

بعد السنة الأولى من العدوان، بلغ عدد الطلبة الذين جرى التعامل معهم ضمن خطط التعليم نحو 400 ألف طالب، مع وجود طلبة آخرين مسجلين في مدارس الوكالة.

ويقول برهم إن الوزارة وضعت خطة طوارئ لتعويض الطلبة عن العام الأول من العدوان، فقسمت العام الزمني إلى عامين أكاديميين، بحيث يعادل كل ستة أشهر عاماً تعليمياً، إلى جانب التعليم المكثف والرزم التعليمية التي أعدتها الوزارة.

وخلال فترات الهدن، كانت الوزارة تعمل على فتح مراكز تعليمية لدعم التعليم الإلكتروني من خلال الطواقم الموجودة داخل القطاع.

وبحسب الوزير، وصل عدد المراكز التعليمية إلى نحو 850 مركزاً، فيما تجاوز عدد المدارس المؤقتة التي أعيد من خلالها التعليم الوجاهي 100 مدرسة.

كما تمكنت الوزارة من عقد امتحان الثانوية العامة لطلبة غزة في الخارج، حيث أُجري الامتحان في 48 دولة، في وقت واصل فيه نحو 23 ألف طالب من قطاع غزة الموجودين في مصر تعليمهم عبر المدارس الافتراضية.

ويشير برهم إلى أن طلبة غزة الذين اجتازوا الثانوية العامة خلال العامين الماضيين تمكنوا من الالتحاق بالجامعات داخل القطاع وخارجه.

ولم يكن انقطاع الكهرباء عائقاً أمام التعليم الإلكتروني، بحسب الوزير، إذ جرى التعاون مع جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن لإنشاء منصة تعليمية تعمل بنظام "أوفلاين"، بحيث يستطيع الطالب متابعة الحصص والمحاضرات حتى في حال انقطاع الإنترنت، ثم استكمالها عند عودته.

ويعتبر برهم أن هذه الإجراءات، رغم صعوبة الظروف، شكلت محاولة لإبقاء التعليم حياً في غزة، وصولاً إلى عقد امتحان الثانوية العامة لأكثر من 100 ألف طالب وطالبة في القطاع.

 

الجامعة وسوق العمل.. من الشهادة إلى المهارة

وفي التعليم العالي، يقول برهم إن الوزارة تعيد النظر في العلاقة بين التخصصات الجامعية وحاجات سوق العمل الفلسطيني. ويشير إلى التوسع في التعليم المهني والتقني، بعدما ارتفعت نسبته في المدارس بنحو 4%، فيما تستهدف الوزارة الوصول إلى 20% أو تجاوزها، نظراً إلى أهمية هذه التخصصات في السوق.

ولهذا بدأت الوزارة بفتح وحدات للتعليم المهني والتقني داخل المدارس، وإنشاء مدارس متخصصة أو تحويل مدارس قائمة إلى مدارس مهنية وتقنية.

وفي الجامعات، يجري العمل على إعادة دراسة التخصصات القائمة، مع التركيز على إدخال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في عدد من التخصصات، بما يتيح للخريج امتلاك مهارات أكثر ارتباطاً بسوق العمل.

 

تخصصات اليوم لا تشبه تخصصات الغد

ويرى برهم أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من معظم المهن والتخصصات، وبالتالي فإن بعض التخصصات التقليدية تحتاج إلى إعادة تعريف وتحديث، ويضرب مثالاً بميكانيكي السيارات، الذي لم يعد عمله يشبه المهنة التقليدية السابقة في ظل دخول التكنولوجيا والإلكترونيات إلى المركبات الحديثة، وكذلك هندسة الأبنية والهندسة المدنية التي تغيرت أدواتها وأساليبها بفعل التطور التكنولوجي.

ويحذر من أن المؤسسات التعليمية التي لا تواكب هذه التحولات ستجد نفسها متأخرة خلال السنوات العشر المقبلة.

وفي هذا السياق، يؤكد أن الوزارة تتابع توجهات الطلبة وحاجات السوق، فيما تعمل لجان الإرشاد والتوجيه على تعريف طلبة الثانوية العامة بالتخصصات المتاحة في الجامعات، ومساعدتهم في اختيار المجالات التي تتلاءم مع قدراتهم واحتياجات السوق.

 

الذكاء الاصطناعي.. أداة لا بديل عن التفكير

أما الذكاء الاصطناعي، فيراه برهم فرصة يمكن تسخيرها لخدمة العملية التعليمية والتنموية، لكنه يحذر في الوقت ذاته من تحويل الطالب إلى تابع للتكنولوجيا.

ويقول إن الهدف هو "تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة العملية التنموية والتربوية"، لا أن يصبح الإنسان عبداً له، مؤكداً أن هذا المفهوم جزء مما يجري تعليمه للطلبة.

 

المدارس الخاصة.. شريك تحت الرقابة

وفي ما يتعلق بالمدارس الخاصة، يؤكد الوزير أن دور الوزارة يقوم على الرقابة والتنظيم وضمان الالتزام بالمنهاج الفلسطيني، أو بالمناهج الدولية التي تحدد الوزارة إطارها وصبغتها الفلسطينية.

ويقول إن الوزارة تريد للمدارس الخاصة أن تكون رافعة للعملية التعليمية والتربوية، ولذلك تتابع أداءها وتطبيقها للمناهج ومستوى إتمام العملية التعليمية، معرباً عن اعتزازه بأداء المدارس الخاصة في فلسطين.

وفي موضوع الرسوم الدراسية، يوضح أن هناك اتفاقيات تنظم العلاقة بين الوزارة والمدارس الخاصة، بحيث تكون أي زيادة ضمن اتفاق بين الطرفين وألا تتجاوز علاوة غلاء المعيشة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ويقر بتلقي الوزارة شكاوى من بعض الأهالي بشأن الرسوم، موضحاً أن الوزارة اجتمعت مع ممثلي المدارس الخاصة وناقشت المسألة، وتم الاتفاق في بعض الحالات على عدم زيادة الرسوم، وفي حالات أخرى على التعامل معها بما يحافظ على استقرار العملية التعليمية ويمنع حرمان أي طالب من الدراسة.

 

القدس.. معركة التعليم والهوية

وفي القدس، يرى برهم أن العملية التعليمية مستهدفة منذ سنوات، وأن هناك محاولات متكررة لحرمان الحكومة الفلسطينية من القيام بدورها في المدينة.

ويؤكد أن الوزارة على تواصل مستمر مع مديري التربية في ضواحي القدس وداخل المحافظة، بهدف حماية حق الطلبة في التعليم بالمنهاج الفلسطيني، وتعزيز ودعم المعلمين والمعلمات، ومنع تسرب الطلبة من مدارس القدس.

ويشير إلى أن رئيس الوزراء يوجه بدعم العملية التعليمية في المدينة، وأن فرق الوزارة تعمل داخل القدس لحماية حق الأطفال في تعليم فلسطيني، يجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية ومواكبة التكنولوجيا، إلى جانب ضمان وصول الطلبة إلى مدارسهم بأمان وفي الوقت المناسب.

ويشدد برهم على أن حصول المعلمين والمعلمات على التصاريح اللازمة للوصول إلى مدارسهم في القدس حق أساسي، وأن منعهم أو التهديد بمنعهم من الوصول إلى أماكن عملهم ينعكس مباشرة على حق الطلبة في التعليم.

بين مدرسة مهدمة في غزة، وطالب ينتظر حافلة في منطقة مهددة بالإخلاء، ومعلم يواجه أزمة مالية، وطفل في الصف الأول يتعلم القراءة والكتابة بوسائل جديدة، تبدو صورة التعليم الفلسطيني اليوم أكثر تعقيداً من مجرد أرقام في سجلات الوزارة أو نتائج في امتحان الثانوية العامة.

ومع ذلك، يصر وزير التربية والتعليم العالي على أن المعركة لا ينبغي أن تكون فقط من أجل إبقاء المدارس مفتوحة، بل من أجل إعادة بناء منظومة تعليم قادرة على مواجهة المستقبل. فالتعليم، كما يراه برهم، لا يمكن أن ينتظر انتهاء الأزمات، بل عليه أن يتكيف معها دون أن يفقد جوهره.

ومن التعليم التفاعلي والمهني والتقني، إلى الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، ومن المدارس الافتراضية في غزة إلى حماية التعليم الفلسطيني في القدس، تحاول الوزارة رسم مسار يجمع بين إدارة أزمة غير مسبوقة وإطلاق عملية إصلاح طويلة الأمد، في وقت يبقى فيه التحدي الأكبر هو ضمان ألا تتحول الظروف الاستثنائية إلى واقع دائم، وألا يدفع الطالب الفلسطيني ثمن الأزمات التي لم يصنعها.