عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 17 آب 2026

قصرة.. أرواح تحرس التراب في أيام الوجع

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في قصرة، حيث يلامس الجبل السماء كأنه يحاول الفرار من ثقل الأرض، يتواصل الوجع منذ أيام كأنه لا يعرف نهاية، هناك في جبل رأس العين، تحبس عائلات داخل منازلها كأنها حكايات قديمة حبست بين جدران الزمن، والطريق إليها مغلق بخيام المستوطنين وبأوامر جنود الاحتلال، والكهرباء انقطعت، والماء جف، والصوت الوحيد الذي يصل هو صوت الصمت الذي يصرخ.

هكذا تكتب الحكاية في قصرة، منازل تحبس، وعائلات تنظر إلى بيوتها كأنها مرايا بعيدة، ورئيس بلدية يصرخ في الفراغ الدولي، ونساء يحملن الوجع كإرث يومي، وأطفال يتعلمون أن الجدران قد تكون سجنا والطريق قد يكون حلما.

الأرض هناك لا تنسى، والوجع لا ينتهي، والحكاية تستمر، كأنها تنتظر أن يكتب لها فصل آخر من الصمود أو من الرحيل.

بدأت الحكاية الأسبوع الماضي حين أقبل المستوطنون كظلال سوداء على التلة، فنصبوا خيمة في باحة المنازل، وأغلقوا الطريق، وقطعوا ما بقي من حياة.

عدة عائلات، صارت سجينة جدرانها، نحو خمس عشرة نفسا، بينهم طفلان صغيران، ينظرون من النوافذ إلى أرضهم التي صارت أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.

رقية حسان، التي تترك صوتها يتسلل كريح خفيفة بين الكلمات، تقول وهي تنظر إلى بيتها من بعيد: "البيت هناك أمامي، لكن لا أصله" زوجها يوسف داخل الجدران، وهي خارجها، وجنود الاحتلال يجلسون في بيتها ويحولونه ثكنة، والمستوطنون يدورون حوله كأنهم يرسمون حدودا جديدة للذاكرة.

 تحاول الوصول مرة بعد مرة، مع متضامنين جاءوا يحملون الماء والطعام، فيردون، تقول: "شعور سيئ أن أرى بيتي ولا أستطيع الوصول إليه، بينما من لا حق لهم يجلسون فيه".

المواطن إبراهيم حسن أحد أبناء العائلات التي طالها الحصار والمضايقات الشديدة قرب جبل رأس العين، وهو يدفع دم قلبه وتعب سنين طويلة على بيته.

ينظر حسن إلى إلى الجدران التي صارت أقرب إلى السجن منها إلى المأوى، ويحكي بصمت الجسد أكثر مما تقوله الكلمات عن سنوات العمر التي ذابت في حجارة هذا المنزل، المشهد لا يحتاج إلى تعليق كثير فهو يلخص وحده كيف يتحول البيت من ملاذ إلى هدف، وكيف يختزل الإنسان إلى شاهد على ما يسلب منه أمام عينيه.

ويتحدث محافظ نابلس غسان دغلس عن قصرة التي تنهش ليل نهار، وعن جالود التي سبقتها، وعن كل زاوية في هذه الأرض التي صارت مسرحا يوميا لتجريف وحرق واقتحام وترويع.

يقول دغلس إن المحتل ومستوطنيه يظنون أن الحصار يخنق الأنفاس والترهيب يكسر العزيمة، لكنهم نسيوا أن فلسطين ليست مدنا وقرى متناثرة، بل جسد واحد يضيء دروب أبنائه بالكرامة.

ويدعو دغلس إلى أن يكون البقاء في الأرض هو المقاومة الحقيقية، وأضاف: "يجب أن نزرع أنفسنا في كل شبر كما تزرع الأشجار في الصخر، وأن نجعل من وحدتنا درعا ومن تكافلنا حضنا لكل متضرر.

ويؤكد أن صاحب الحق لا يهزم، وأن الأرواح في قصرة تحرس التراب وتحرس حلم الأطفال، وأن أبناء هذه المحافظة سيظلون حراسها، لا تراجع في خطوتهم ولا اندثار في حضورهم.

أما رئيس البلدية عبد العظيم الوادي، فيقف كشاهد على الحكاية كلها، صوته لا يرتفع كثيرا، لكنه يثقل الكلمات بوزن الحقيقة، يقول إن الاحتلال بمئات الجنود، فرض قيودا على الحركة، وأخلى نحو عشر عائلات أو أكثر، واستولى على عدة منازل وحولها إلى ثكنات عسكرية. مضيفا "المستوطنون يجولون في المنطقة بينما أصحاب الأرض طردوا".

يطالب الوادي بتدخل دولي عاجل، ويحمل الاحتلال المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة، مضيفا "يكفي صمتا". ويصف الوضع بأنه حالة طوارئ، والبلدية عاجزة عن توفير الدواء والماء والغذاء كما يجب.

ويحذر من أن التصعيد يهدف إلى التوسع الاستيطاني على حساب الأرض، وأن جيش الاحتلال "يقتل الوقت لصالح المستوطنين" بينما يستطيع إنهاء الأمر في ربع ساعة لو أراد. ويذكر بأن قصرة فقدت شهداء، وأن العائلات المحاصرة محرومة من أبسط الخدمات، وأن الطريق الوحيد مغلق.

وفي مفارقة غريبة تلخص المأساة كلها، تصل وفود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمتطوعين إلى أطراف المكان المحاصر، يحملون زجاجات الماء وعلب الطعام كأنها حلول عاجلة لجوع مؤقت. يقفون على بعد خطوات من المنازل، يمدون أيديهم بالإغاثة، بينما أصوات المحاصرين لا تطلب شربة ماء، بل تطلب رحيل المستوطنين أنفسهم.

ويرى أهالي قصرة أن الإغاثة تأتي كضمادة على جرح مفتوح، أما المطلب الحقيقي فهو أن ترفع اليد التي تمسك بالسكين، فالناس هنا لا يسألون عن لقمة تمنح، بل عن حق يستعاد.