ثمة كتبة يجعلون من سواد الحبر، في بعض بياناتهم، ومقالاتهم الحزبية (...!!) وحتى السياسية، يجعلونه كمثل راية داعشية، بأعنف العبارات، وأشدها غلوا وتطرفا، وافتراء، يكتبون متعالين على الواقع، وناكرين لموازين القوى، ومتعلقين بالشعار، وداعين على نحو ما تشتهي كلمات الشعار السمينة "للثورة الدائمة" التي لم تنجح مع منظرها الأول، السوفييتي المعارض لسلطة "ستالين" "ليون تروتسكي" الذي قتل بضربة فأس على رأسه، في المكسيك، خلال أربعينيات القرن الماضي، وقد باتت هذه الثورة الآن نسيا منسيا، وإذ يذكرها التاريخ، فإنه لن يتحدث سوى عن عبثيتها العدمية، وغلوها الرومانسي ...!!
وثمة كتابات أخرى ترفع رايات مفرطة في ليبراليتها، فتضع الكل الفلسطيني في سلة واحدة (....!!) تجعل من "فتح" و"حماس" شريكين في الخطأ، والجريرة، في هروب معيب من التشخيص الموضوعي الدقيق، ووضع النقاط اللازمة فوق حروفها، كتابات، وتصريحات، وتحليلات سياسية تحدثت طويلا عن خلافات بين "فتح" و"حماس" وهو أمر لم يكن صحيحا، ولا دقيقا تماما، وإنما الأمر الذي كان ما بين "فتح" و"حماس" وما زال، هو أمر الصراع بين مشروعين في الساحة الفلسطينية، الأول للوطنية الفلسطينية، مشروع الدولة الحرة المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، وهذا الذي تحاربه إسرائيل بمنتهى العنف والتطرف،، والثاني لجماعة الإخوان المسلمين، مشروع الإمارة ليس إلا، وحظي هذا المشروع بدعم العديد من القوى الإقليمية، حتى إن طهران سلحته بمختلف منوعات التسليح العدمية.
الكلمة التي لا بد منها يجب أن تقال، وبصراحة القضية الفلسطينية تمر اليوم بمحنة قاسية، وخطيرة إلى أبعد حد. لن تسعف هذه القضية، الكتابات التي تبدو كمثل ترجمة لطروحات صناع المحنة، وممولي فصولها العنيفة، وفي الترجمة خيانات للدقة، والأمانة، والموضوعية، حين تغفل عن الغايات الكامنة وراء طروحات صناع المحنة، وسردياتها السياسية، ومسارات عملها الميدانية ...!!
الكلمة التي لا بد منها يجب أن تقال، فلسطين اليوم أحوج ما تكون لوحدة الخطاب، بوحدة كل قواها الوطنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والمعرفية، وبمراجعات شجاعة، وبمنهج نقدي مسؤول، لا يغالي، ولا يتطرف، ولا يستعرض، ولا يتباهى، ولا يسعى لتسوية حسابات ضيقة، ولا يقبل نصوصا خارجية أيا كانت هويتها الإقليمية.
الوطنية كمثل الفطرة السليمة، لا تدل سوى على التآلف، والتعاضد والوحدة، والنزاهة الأخلاقية بين أبناء الوطن الواحد، والسعي في دروب البناء، والتنمية، وفي فلسطين فإن ذلك يظل لأجل الحرية، والاستقلال، والسيادة، والازدهار، فلا بد من الوحدة، ولا بد من النقد والمراجعات، وإلى حد المحاسبة، و"الطوفان" أولا.