موعد أخير على سفوح الجبال

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- "سنعود إلى سفوح الجبال".. ليست كل الجمل تعرف إلى أين تمضي حين تُكتب، فبعضها يسبق صاحبه إلى القدر، وبعضها يتحول بعد غيابه إلى ذكرى يتردد صداها في المكان، هكذا كانت الجملة الأخيرة على الحائط الإلكتروني الأزرق لنصر أبو جيش منسق لجنة التنسيق الفصائلي في نابلس، كتبها وهو يودع الوطن إلى رحلة علاج، يظن أن العودة ستكون إلى التلال التي أحبها، حيث الزيتون، والمسيرات، ورائحة التراب المجبول بالغاز المسيل للدموع الذي يزرعه شر الاحتلال.
لكن الجبال كانت تقرأ الجملة بمعنى آخر، كانت تعرف أن العائد هذه المرة لن يحمل راية، بل سيحمله الرجال الذين سار معهم طويلا، بعد شهر فقط، عاد، وعادت معه الحكاية كلها، لكن على هيئة نعش، فيما بقيت الجملة معلقة فوق سفوح جبال بيت دجن وبيت فوريك، كأنها الوعد الوحيد الذي وفى به الموت.
لم يعد نصر أبو جيش إلى الجبال التي أحبها، ولم يأتِ واقفا في مقدمة مسيرة تتحدى الاستيطان، ولا رافعا صوته في ساحة مواجهة مع المحتل، بل محمولا على أكتاف الذين كانوا يظنون أن الرجل الذي اعتاد مواجهة الغاز والرصاص، لن يهزمه مرض ولد في رئتيه من كثرة ما استنشق من غازات الاحتلال.
كان يكتب كما لو أنه يعتذر من الحياة لأنها أقلقت الناس عليه، لا لأنه كان قلقا على نفسه.
"أنا بخير والحمد لله...".. هكذا بدأ رسالته الأخيرة، لم تكن جملة طويلة، ولا خطاب وداع، ولا وصية رجل يستشعر اقتراب النهاية، كانت محاولة نبيلة لأن يربت على قلوب الآخرين، بينما كانت رئتاه تعجزان عن ملامسة الهواء الذي أفنى عمره يدافع عن حق الفلسطينيين في استنشاقه بحرية.
منذ تلك اللحظة، لم يعد منشوره الأخير منشورا في فيسبوك، بل صار شهادة مختصرة على حياة كاملة، حياة رجل لم يكتب عن الألم إلا بصيغة الطمأنينة، ولم يحدث الناس عن المرض إلا وهو يعدهم بالعودة، كأن المناضلين لا يعرفون كيف يودعون، بل يعرفون فقط كيف يؤجلون الغياب.
من عرفوا نصر أبو جيش يعرفون أنه ليس من السهل أن تختصر حياته منصبا أو لقبا، فهو عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، ومنسق القوى في محافظة نابلس، وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس مجلس قروي بيت دجن، لكن الذين عرفوه يقولون إن هذه الصفات كانت مجرد عناوين إدارية لرجل كانت وظيفته الحقيقية أن يكون حاضرا حيث تكون الأرض مهددة.
في بيت دجن والقرى المحيطة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات الاشتباك الشعبي مع الاستيطان، كان نصر يعرف أسماء الحقول كما يعرف أسماء الناس. كان يرى في كل شجرة زيتون شاهدا على معركة مفتوحة، وفي كل مسيرة أسبوعية وعدا جديدا بألا تصبح الأرض وحيدة.
كان يقود التظاهرات، ويقف في مواجهة جنود الاحتلال، ويعود مغطى برائحة الغاز أكثر مما يعود مغطى بغبار الطريق.
شقيقه، سفير فلسطين في تركيا نصري أبو جيش، لم يكتب نعيا تقليديا، بل اتهاما مباشرا للاحتلال باغتيال شقيقه.
كتب رسالة رجل فقد نصفه الآخر: "أنعى إلى الجماهير الفلسطينية نصفي الثاني وتوأم روحي.. نصر لم يمت، بل اغتيل".
ثم مضى يروي حكاية لا تقاس بالساعات الأخيرة، بل بسنوات طويلة من المواجهة.
قال إن شقيقه كان هدفا دائما لجنود الاحتلال ومستوطنيه، وإنه تعرض مرارا لكثافة قنابل الغاز السامة خلال قيادته للمواجهات الشعبية ضد الاستيطان، حتى أصيب بتليف الرئة، المرض الذي انتهى برحيله.
وحين صدر بيان اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني، لم يتحدث عن مسؤول حزبي فقدته الحركة فحسب، بل عن رجل "كرس حياته دفاعا عن فلسطين وشعبها، وخدمة قضايا المواطنين، وتعزيز العمل الوطني المشترك، والدفاع عن الأرض في مواجهة الاستيطان.
أما لجنة التنسيق الفصائلي في نابلس، التي كان يتولى تنسيق أعمالها، فرأت في رحيله خسارة للحركة الوطنية كلها، ووصفت حضوره بأنه نموذج للمناضل الذي ظل يقدم المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر، ويؤمن بأن الوحدة ليست شعارا، بل شرط للصمود.
مواضيع ذات صلة
قوات الاحتلال تقتحم كفر اللبد شرق طولكرم وتحتجز عدداً من المواطنين
الاحتلال يعتقل 5 مواطنين من مادما جنوب نابلس
استشهاد أم وطفلها وبناتها الثلاثة في قصف الاحتلال مدينة غزة
أشرف فراحتي.. شهيد مع وقف التنفيذ 40 شهرا
موعد أخير على سفوح الجبال
السفير الصيني لـ"الحياة الجديدة": موقفنا الداعم للحقوق الفلسطينية ثابت ونرحب بانضمام فلسطين بشكل أوسع إلى مبادرة "الحزام والطريق"