أن تكون هناك واسمها..
أيهم السهلي*

من نابلس، من رام الله، من مكان ما هناك، من داخل الداخل، من حزن قديم وفرح يأتي ويذهب على مهل.
هي ضحكة شقراء لا تشبه الألم، ولا تشبه باعة الممكن، هي المستحيل في آن والحلم في الزمان المرّ.
وجه للمكان أبيض يكاد ينير مساحات الضجر داخل الذاكرة، تقفز وحدها من العمق، تأخذ حيزها الطبيعي في المكانة، تعود شفافة لساعات قضتها تقفز هنا وهناك، على مدرجات جامعة.. تركض أكثر تبتسم لنجمة بعيدة.. تتأمل نارا خمدت في جبل كانت تشتعل في أترابه الثورة..
كانت تسكن هناك، وأنا أسكن هنا، كنا من ذات الطين لولا تفاصيل السياسة والغرق بغيبيات المخيم، ووهج الرومانس داخل أزقة سمراء محروقة. لولا العبث لكنت الآن أسكن رام الله، وأخرج في الصباح الباكر إلى مقهى ترافقني في خطواتي فيروز وذاكرة عن دمشق وبيروت..
لولا ذلك، لكنت التقيتها بلا موعد، كما التقيتها برام الله، وكنا مشينا وكتبنا على الجدار قصة لقاء آخر، نتمناه لاثنين تاها في الغياب.
هي تعرف أنها تعرف الكثير عن اسمي وشكلي وعنواني، هي لا تعرف أني في الضفة ضيعت هوية أخرى، رغم أن الصورة التي جمعتنا في فندق "بيست إيسترن" كان لها أن توضح الهوية الجديدة، إلا أن الريح هبت، وكسرت السفن وأغرقتني..
كان للصورة أن تكون أجمل لو أن صوت ضحكتها ظل في الصورة يضحك، ولو أنها تركت شعرها طويلا ليمر فيه الليل، ويصلني عطره أكثر..
كان لكل شيء أن يكون أجمل، لولا حاجز ومعبر، وحدود..
حاجز يتلفت فيه الجند لقلبي، فيتلفت لقلبها إذا مرّ أمامهم، وينظرون فيعبثون بصفوه وصوت نبضه وتدفق الحياة فيه، أخاف عليها، أخاف أن يمسها حديدهم، فأموت.
****
دخلت في الغياب وعادت، ولم تعد تلك الكلمات العابرات ناقصة، عادت كما كانت تحب أن تسأل.. أن ترى نفسها في المرآة، أأنا أثر فراشتك، أم أثرك على الفراشة؟ ربما هي مغامرة الصمت، أن أمر في مدينة ويبدو وجهك أمامي، كأغنية بربرية يرقص من وهجها الورد.
لم تعد شجرة الزيتون لي، ذهبوا ليزرعوها، فنسوا أني معهم، وتهت قليلا، ووجدتني في شارع لا يذهب إلى أي مكان، لا يذهب إلا إليها تلك الشقراء، هرولت نحوها، ابتعدت، ركضت حتى تعبت، حتى سقطت، وانتظرت أن يذهب الشارع إلى مكان ما، لم يذهب لكنها أتت، وبيدها أرض زرعتني بها.
*****
هناك حيث هي، لست هناك، وهنا حيث أنا، ليست هنا، ونحن، أنا وهي اتفقنا، أن نكون بين بين، بين أن نكون معا، وأن لا نكون.. وكل منا رغم هذيان المكان، كان.
جسدان، يبتسمان من بعيد، وأرضنا نحرثها كلما شاء الكلام.
تنسى أن تعيد للبلاد حصتها من الحب، فتحبها بي، وتحضنني في المجاز، وتقبل مدني صرخة صرخة، وتذهب، بعد يوم يومين ولا تعود.. كالقطار، يمر في المحطة، ولكن في آخر المطاف، كان سائقه يأخذ أحلام من ركبوه ليودع الطريق، فقد صرف القطار من الخدمة، والمنتظر، ينتظر ولا يعود القطار، وتبقى سكته، أثر الفراشة الذي يزول.
****
أناديها من نابلس ومن رام الله ومن مدني السليبة، لا تجيب، أنادي ضياعنا ويوم التقينا، لا تجيب، أنادينا، لنهرب نحو الزمان للخلف، لم نكن حينها سوى لصان لحب بعيد، فكرة دلنا عليها جبل مضاء ببيوت أعدائنا، وآهات أهلنا الموتى.
لا تجيب، وإن كانت تسمعني، لا تنادي عليّ، لأهملها، وأنظر للبحر في بيروت، وأتتبع قلبي أطير خلفه نحو الجنوب..
لا تجيب..
وجهها ذاكرتي.. ووجه الليل أبيض..
*شاعر وصحفي فلسطيني يقيم في بيروت
مواضيع ذات صلة