"بقايا زنزانة" الكتاب الذي خرج من الأسر بينما بقي السجن في صفحاته

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- لم يكن قتيبة مسلم يوقع كتابا جديدا في مركز يافا الثقافي بمخيم بلاطة، بقدر ما كان يعيد فتح باب زنزانة ظلت موصدة عشرات السنين.
فبعض الكتب تُكتب بالحبر، أما "بقايا زنزانة" فقد كتب بما هو أثقل من الحبر، هي أعمار استهلكتها القضبان، وجدران حفظت أسماء أناس رحلوا قبل أن يروا الشمس، صبر طويل لم ينجح السجان في مصادرته.
في القاعة، لم يكن الحضور مجرد قراء جاءوا لحفل إشهار، كانوا أسرى محررين، ومحامين، ووزراء سابقين، ومحافظ المدينة، ومثقفين، وأهالي أسرى، ووجوها تعرف جيدا معنى أن تتحول الأرقام إلى سنوات باب زنزانة، لذلك بدا المشهد أقرب إلى لقاء عائلة كبيرة فرقتها السجون وجمعتها الذاكرة.
عنوان الكتاب وحده كان كفيلا بأن يختصر الحكاية "بقايا زنزانة".
فالزنزانة لا تترك الإنسان عندما يغادرها، تخرج معه في صوته، وفي مشيته وفي ذاكرته، وحتى في طريقته وهو يكتب.
ولهذا لم يكن الكتاب سيرة ذاتية تقليدية، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من ذاكرة الأسر، قبل أن يبتلعها النسيان.
عميد أسرى حركة فتح في محافظة نابلس قتيبة مسلم، الذي أمضى سنوات طويلة في سجون الاحتلال منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن بالنسبة للحاضرين مجرد أسير محرر، بل أحد الأسماء التي صنعت جزءا من الحياة التنظيمية والثقافية داخل المعتقلات، حيث تحولت الزنازين عبر العقود إلى مدارس سياسية، وقاعات دراسة، ومنابر ثقافية، ومختبرات لصناعة الوعي الفلسطيني.
ولهذا جاءت كلمات المتحدثين وكأنها لا تقدم كتابا، بل تقدم شهادة على مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الأسيرة.
رئيس مركز يافا الثقافي وعضو المجلس الثوري لحركة فتح تيسير نصر الله رأى في قتيبة مسلم واحدا من الروافع الأساسية للحركة الأسيرة، مشيرا إلى حضوره الثقافي والتنظيمي، وإلى البصمات التي تركها خلال سنوات اعتقاله الطويلة، حتى غدا اسمه واحدا من الأسماء التي يُشار إليها كلما ذكرت التجربة الاعتقالية الفلسطينية.
أما محافظ نابلس غسان دغلس، فعاد بالذاكرة إلى بدايات الانتفاضة الأولى، مستحضرا شخصية قتيبة مسلم منذ تلك السنوات الأولى، حين لم يكن حضوره مقتصرا على المواجهة مع الاحتلال، بل امتد إلى بناء التجربة التنظيمية داخل السجون، وإلى الإسهام في الأدب الذي أنتجته الحركة الأسيرة، ذلك الأدب الذي وُلد خلف الأسلاك لكنه ظل يخاطب الفلسطينيين جميعاً.
ومن داخل التجربة نفسها، استعاد المحامي الحيفاوي حسن العبادي عشرات الزيارات التي جمعته بالمحرر مسلم في المعتقلات، قال إن أحاديثه لم تكن تنشغل بنفسه بقدر ما كانت تنشغل بالأسرى جميعا، بحياتهم اليومية، وكرامتهم، وحقهم في أن تصل كتاباتهم إلى الناس، باعتبارها نصوصا كُتبت من قلب المعاناة، وتعبر عن الانتماء للوطن ورفض الاحتلال.
ولأن الرفقة الطويلة تصنع معرفة مختلفة، تحدث عضو المجلس الثوري لحركة فتح الدكتور ياسر أبو بكر عن ثلاثة وعشرين عاما جمعته بقتيبة مسلم داخل السجن.
ثلاثة وعشرون عاماً كانت كافية، كما قال ليعرف عن قرب ثبات الرجل، وهدوء رؤيته، وقدرته على استشراف المستقبل اعتمادا على قراءة واقعية راكمتها تجارب الحركة الأسيرة عبر عقود طويلة.
غير أن أكثر الكلمات هدوءا ربما كانت كلمة صاحب الكتاب نفسه.
لم يتحدث قتيبة مسلم عن سنواته بقدر ما تحدث عن القضية التي خرج منها وإليها، أعلن تمسكه بالثوابت الوطنية، والدفاع عن الحركة الأسيرة باعتبارها أحد مفاصل صنع القرار الوطني، مؤكدا أن الوحدة الوطنية يجب أن تبقى فوق كل الخلافات والمواقف، لأنها السند الحقيقي للأسرى وللقضية الفلسطينية.
مواضيع ذات صلة
الرئيس يعزي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده بشهداء حادثة سقوط طائرة مروحية في رأس تنورة
"مذبحة" أشجار غرب جنين
"بقايا زنزانة" الكتاب الذي خرج من الأسر بينما بقي السجن في صفحاته
نقابة الصحفيين: التشرد الواسع بات واقعًا يوميًا يعيشه الصحفيون في قطاع غزة
استشهاد طفلة بشظية قذيفة أطلقها الاحتلال شرق خان يونس
فلسطين نائبا لرئيس اللجنة الفنية للبرنامج العربي لتعزيز مرونة المدن والحد من مخاطر الكوارث