من بين الركام.. مهندسة غزية ترسم بالأمل ملامح المستقبل وتتوج بجائزة التميز لسيدات الأعمال
عزة الجمل.. هندسة الصمود في مدينة تبحث عن الحياة

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في المدينة التي اعتادت أن تُعيد ترميم ذاتها بعد كل حرب، اختارت المهندسة المعمارية عزة الجمل أن تواجه الخراب بالأفكار، وأن تحوّل الهندسة من مجرد مهنة إلى مساحة للأمل وصناعة الحياة. من قلب قطاع غزة، حيث الحصار والانقطاع والخسارات المتكررة، استطاعت أن تبني تجربتها المهنية بثبات، حتى توّجت رحلتها بالفوز بالمركز الأول في جائزة التميز لسيدات الأعمال لعام 2026.
تقول مؤسسة ومديرة مكتب مركز الفنون للعمارة والهندسة المهندسة عزة: إن علاقتها بالعمارة بدأت منذ سنوات الدراسة الأولى، حين اكتشفت أن التصميم ليس مجرد تشكيل للمكان، بل قدرة حقيقية على تغيير حياة الناس وتحويل المساحات إلى قصص إنسانية نابضة بالجمال والدفء.
وتضيف لـ "الحياة الجديدة" أن اختيارها للهندسة المعمارية جاء لأنها وجدت فيها مساحة تجمع بين الفن والدقة، وبين الخيال والتنفيذ، مؤكدة أن أكثر ما جذبها لهذا العالم هو إمكانية ترك أثر ملموس في تفاصيل الحياة اليومية للناس، من خلال البيوت والمكاتب والمساحات التي يعيشون فيها.
على مدار سنوات عملها داخل غزة، خاضت الجمل تجارب متعددة في التصميم الداخلي والمعماري، قبل أن تؤسس مكتبها الخاص "رندر جروب"، الذي لم يبقَ مجرد مكتب هندسي تقليدي، بل تحوّل تدريجياً إلى مساحة تجمع بين التصميم والتدريب والتكنولوجيا الحديثة.
وترى الجمل أن المكتب شكّل نقطة تحول حقيقية في مسيرتها المهنية، إذ منحها فرصة التعامل مع مشاريع متنوعة واحتياجات واقعية فرضتها طبيعة الحياة في قطاع غزة، الأمر الذي ساعدها على تطوير مهاراتها في الإدارة والتواصل والإشراف، إلى جانب التصميم المعماري.
لكن التحول الأكبر جاء عندما قررت إدخال الذكاء الاصطناعي إلى عالم العمارة والتصميم، وتطوير نموذج عمل أكثر مرونة وقدرة على الصمود. ومن هنا انطلقت فكرة تحويل "رندر جروب" إلى مركز متكامل يقدم خدمات هندسية وتدريبية، ويوفر مساحات عمل للمهندسين والطلاب، إلى جانب تعليم أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في التصميم والتسويق وإنتاج المحتوى الهندسي.
هذا المشروع كان بوابتها نحو الفوز بجائزة التميز لسيدات الأعمال، وهي الجائزة التي اعتبرتها تتويجاً لسنوات طويلة من التعب والمحاولات التي بدأت "من الصفر"، على حد وصفها.
وتوضح الجمل أن أصعب ما واجهته لم يكن فقط انقطاع الكهرباء أو ضعف الإنترنت أو ارتفاع التكاليف وصعوبة توفير المعدات، بل التحدي النفسي المرتبط بكيفية الاستمرار بعد كل خسارة، وكيف يمكن إعادة بناء المشروع والفريق وسط ظروف غير مستقرة.
ورغم ذلك، تؤمن بأن المرونة كانت مفتاح النجاة، وأن انتظار الظروف المثالية يعني التوقف عن الحياة. وتقول: "في غزة قد نخسر مكاناً أو أدوات أو إمكانيات، لكننا لا نخسر الفكرة ولا الإرادة".
وتؤكد أن الفوز بالجائزة لم يكن انتصاراً شخصياً فقط، بل رسالة تقدير لكل غزية تحاول أن تصنع فرصة وسط الواقع الصعب، ولكل فريق عمل يواصل جهوده رغم التحديات. كما اعتبرته رسالة وفاء لعائلتها، ولزوجها المهندس رشدي، الذي وصفته بأنه "السند الحقيقي"، ولأطفالها الأربعة الذين أرادت أن تثبت لهم أن الأمومة والنجاح المهني قادران على السير جنباً إلى جنب.
وترى المهندسة عزة أن المرأة الفلسطينية، وخاصة الغزية، أثبتت حضورها الحقيقي في ميادين الأعمال والهندسة، ليس فقط من خلال الصمود، بل عبر القدرة على الابتكار وخلق فرص جديدة حتى في أكثر البيئات قسوة.
وتشير إلى أن المهندسات وسيدات الأعمال في غزة ما زلن يواجهن تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الموارد، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وعدم استقرار السوق، لكنها تؤكد في المقابل أن القطاع يزخر بطاقات نسائية واعدة تحتاج فقط إلى الدعم والتدريب ومساحات العمل المناسبة.
وعن المرحلة المقبلة، تكشف الجمل عن خطط لتطوير "Render Group Studio" ليصبح مركزاً أكثر تأثيراً في مجالات العمارة والتدريب والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إطلاق منصة رقمية متخصصة تقدم دورات تدريبية وأدوات ذكية للمهندسين والطلاب، وتسهم في ربط الكفاءات الشابة بفرص محلية وخارجية.
أما حلمها الأكبر، فهو أن تشهد غزة مستقبلاً مرحلة إعادة إعمار مختلفة، تقوم على التخطيط الذكي والتصميم المستدام، وتراعي الإنسان والبيئة والهوية الفلسطينية، مع منح المهندسين الشباب دورًا محوريًّا في صناعة هذا المستقبل.
وفي رسالة توجهها إلى الجيل الشاب من المهندسات وسيدات الأعمال عبر "الحياة الجديدة"، تقول الجمل: "لا تنتظرن الظروف المثالية حتى تبدأن. ابدأن بما تملكنه، وتعلمن باستمرار، ولا تسمحن للواقع بأن يحدد سقف أحلامكن. نحن في غزة نعرف جيداً معنى الصعوبة، لكننا نعرف أيضاً معنى الإصرار".
تواصل عزة الجمل رسم ملامح طريق مختلف، في غزة، حيث تبدو الحياة أحياناً معلّقة بين الخسارة والأمل، تؤمن فيه بأن العمارة ليست مجرد بناء حجارة، بل بناء إنسان ومساحة للحياة. وبين تصميمٍ يولد من رحم التحديات، وحلمٍ يتسع لكل هذا الإصرار، تبدو حكايتها صورةً مكثفة لنساء غزة اللواتي يحوّلن ضيق الواقع إلى أبواب جديدة للنجاح والإبداع.
مواضيع ذات صلة
الرئيس يعزي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده بشهداء حادثة سقوط طائرة مروحية في رأس تنورة
"مذبحة" أشجار غرب جنين
"بقايا زنزانة" الكتاب الذي خرج من الأسر بينما بقي السجن في صفحاته
نقابة الصحفيين: التشرد الواسع بات واقعًا يوميًا يعيشه الصحفيون في قطاع غزة
استشهاد طفلة بشظية قذيفة أطلقها الاحتلال شرق خان يونس
فلسطين نائبا لرئيس اللجنة الفنية للبرنامج العربي لتعزيز مرونة المدن والحد من مخاطر الكوارث