عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 05 حزيران 2026

جنود من جيش الاحتلال يكشفون عن ارتكاب مجازر وقتل وطرد ونهب خلال النكسة

رام الله- الحياة الجديدة- تكشف بروتوكولات محفوظة في أرشيف "يد تبنكين" قرب تل أبيب، ووثائق نشرت للمرة الأولى اليوم الجمعة، وشهادات جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي، تفاصيل أخرى حول الجرائم الإسرائيلية الرهيبة التي ارتكبتها إسرائيل خلال حرب حزيران/يونيو العام 1967، وطرد حوالي 300 ألف من الضفة الفلسطينية وقطاع غزة وهضبة الجولان، من خلال المجازر وتخويف المدنيين وعمليات النهب والتدمير، كما في نكبة العام 1948.

وحاول اللاجئون الفلسطينيون في شرقي نهر الأردن العودة إلى الضفة الغربية، في الأسابيع التي تلت الحرب، لكن قوات الاحتلال منعتهم من العودة وارتكبت مجازر بحقهم، وفق تحقيق مشترك لصحيفة "هآرتس" ومعهد "عكيفوت"، أجراه المؤرخ آدم راز، ونشرته الصحيفة أمس.

ولم تنشر وقائع الجرائم الإسرائيلية على الملأ في حينه، لكن عضو الكنيست، أوري أفنيري، علم بها من جندي إسرائيلي، الذي أبلغه بأنه تلقى أوامر مع جنود آخرين بإطلاق النار على اللاجئين العائدين، وبضمنهم النساء والأطفال. بعد ذلك توجه أفنيري إلى رئيس أركان جيش الاحتلال، يتسحاق رابين، كي يفتح تحقيقا ويأمر بوقف المجازر. لكن رابين لم يفتح تحقيقا، وأفنيري التزم الصمت، إلى أن نشر شهادة الجندي حول المجازر في سيرته الذاتية في كتاب صدر بعد ذلك بخمسين عاما.

وشمل التحقيق نصوصا لجنود تحدثوا حول الحرب، في حلقات عقدوها تحت عنوان "حوار المقاتلين"، ورووا عن مجازر ارتكبوها بشكل تعسفي، "بينها إطلاق وابل من الرصاص بحماس على طفل أردني كان يقف لفترة طويلة في جانب الطريق"، وتحدث جندي آخر عن "حصاد كبير" لأرواح فلسطينيين عائدين إلى الضفة الغربية، وأفاد جندي ثالث بأن ضابطا في الحكم العسكري تنقل بين اللاجئين العائدين وتفقد بطاقات هوياتهم وكان يقول: إن "هذا يجب إعدامه".

وتحدث أحد جنود الاحتلال عن أنه مع جنود آخرين صادفوا سبعة أشخاص عرب على قارب شراعي صغير في بحيرة بردويل شمال سيناء، وأن مجندة أمرتهم "بقنص" الرجال السبعة. وكتب جندي في رسالة إلى صديقته: "حولنا شبه جزيرة سيناء إلى وادي القتل"، وأنه تم إعدام أشخاص رغم أنهم غير مسلحين، "وقد شاهدت حالات قتل أكثر مما يجعلني ذلك أبكي".

وأشار التحقيق الصحفي إلى أن قسما من الأحداث ممنوع نشره في إسرائيل، رغم أن تفاصيلها نشرت في الخارج، بينها حالات قتل أسرى بأمر من الضابط موشيه ليفي، الذي عين لاحقا رئيسا لأركان جيش الاحتلال.

وحسب التحقيق الصحفي، الذي نشره موقع "عرب 48"، فإن إسرائيل طردت حوالي 200 ألف فلسطيني من الضفة وغزة وحوالي 120 ألف مواطن سوري من هضبة الجولان، ومنع جميعهم من العودة إلى بيوتهم، ونهبت قراهم بالكامل "بشكل منظم على يد إسرائيل. وفي بعض الحالات سبقت مبادرات نهب شخصية النهب الذي نفذته الدولة".

وأظهرت وثائق استخرجها معهد "عكيفوت" من الأرشيفات الإسرائيلية أن جيش الاحتلال استعد "لاحتلال مناطق خارج حدود الدولة" منذ بداية سنوات الستين، وأنه تم التخطيط لإقامة حكم عسكري فيها. "والجنود الإسرائيليون الذين شاركوا في ارتكاب الجرائم التزموا الصمت حيالها، والكيبوتسات التي شاركت في طرد الفلسطينيين ونهبت ممتلكاتهم سعت إلى إخفاء ذلك".

وأكد التحقيق أن المستوى السياسي لم يكن منقادا وراء المستوى العسكري بل كان، في حالات كثيرة، يلمح للجيش بأن ينفذ عمليات طرد السكان العرب. وقال وزير الجيش موشيه ديان، خلال اجتماع للحكومة، في تموز/يوليو 1967، "إننا نريد أن نخلي قليلا من سكان قطاع غزة".

 

من أصدر الأمر بالطرد؟

وحسب التحقيق، لم يعثر حتى الآن على توثيق بشأن قرار حكومي حول تنفيذ طرد 200 ألف فلسطيني من الضفة، أو وثيقة تتضمن قرارا حكوميا كهذا، بالرغم من أن الوزراء رحبوا بذلك. لكن التحقيق أشار إلى أن ديان وقائد القيادة الوسطى للجيش، عوزي نركيس، كانا المسؤولين المركزيين. "وفي 7 حزيران/يونيو أوضح ديان لرابين أنه معني بإفراغ الضفة الغربية من سكانها. وطوال تلك الأيام كرر التعبير عن رضاه من التقارير حول الطرد ومغادرة السكان العرب. وهكذا حدث على سبيل المثال عندما علم ببداية مغادرة سكان من مديمة طولكرم، التي كان يسكنها 25 ألف نسمة، وأمر بإبطاء تقدم المدرعات نحوها، وطالب بالحفاظ على محاور التنقل مفتوحة كي يسهل هروب السكان".

وأضاف التحقيق أن ديان امتنع خلال مداولات الحكومة عن التحدث بشكل قاطع، وكان واضحا أن هذا ساعده في تضليل قسم من الوزراء. "لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدا. فقد أدرك الجنرال نركيس جيدا نوايا ديان وعمل بإصرار من أجل طرد السكان من البلدات على طول الخط الأخضر. وطالبوا أكثر من مرة السكان الذين لم يغادروا بلداتهم بمبادرتهم بأن يغادروها.

واستخدمت طرق عديدة في عمليات الطرد، بينها مطالبة السكان بالخروج بواسطة مكبرات الصوت، تهديد السكان بالسلاح، إلزام السكان بالصعود إلى الحافلات والشاحنات التي أحضرها الجيش. "هكذا جرى في أماكن كثيرة، بينها قلقيلية واللطرون وطولكرم وجنوب جبل الخليل". وفي أماكن أخرى في الضفة تم ترهيب السكان بواسطة قصف سلاح الجو، وهذا ساعد في دفع حوالي 50 ألفا على النزوح من ثلاثة مخيمات لاجئين في منطقة أريحا، بعد أن كانوا \ طردوا من مدنهم وقراهم إبان نكبة العام 1948.

وفي بعض الحالات حاولت إسرائيل إثارة الانطباع بأن "الهروب" كان مبادرة محلية. وكشف التحقيق الصحفي لأول مرة عن وثيقة في أرشيف "يد تبنكين"، تسلط الضوء على طرد سكان قلقيلية من خلال طمس آثار ذلك.

وتشمل هذه الوثيقة شهادة رئيس دائرة السير في شركة الحافلات "إيغد" خلال الحرب، يعقوب مالي، وجاء فيها أن رئيس بلدية كفار سابا، زئيف غيلر، هو الذي أخرج الطرد إلى حيز التنفيذ. وقال مالي إن "غيلر طلب مني إحضار 40 حافلة من أجل طرد سكان قلقيلية إلى الأردن". وأضاف أنه قال لغيلر إنه يتلقى طلبات كهذه من الجيش الإسرائيلي فقط، ورد غيلر أنه توجد "فرصة تاريخية للتخلص من أكثر ما يمكن من العرب وأن الجيش يقصف حاليا بيوتا في قلقيلية".

وطرد جيش الاحتلال سكان عمواس وبيت نوبا ويالو، في منطقة اللطرون، البالغ عددهم 8000 نسمة في اليوم الثاني للحرب. ووصف عضو كيبوتس "نحشون"، زئيف بلوخ، في مذكراته، سكان القرى الثلاثة خلال نزوحهم: "أطقال يبكون، كبار السن يجرون أنفسهم ببطء في جوانب الطريق. هذه المشاهد ذكرتني وذكرت كثيرين من جنود الاحتياط بأيام أخرى وليست بعيدة، شوهدت فيها بالضبط عائلات يهودية تجرجر أنفسها في أوروبا المحتلة، وكان من الصعب الامتناع عن هذه المقارنة. لقد كانت هذه مشاهد محزنة".

واستمرت عمليات الطرد وهدم البيوت على طول "الخط الأخضر" بعد الحرب. وهكذا حدث في زيتا قرب طولكرم وفي بيت عوا في جنوب الخليل. وأشار التحقيق إلى أن إفراغ القرى من السكان بشكل منهجي يؤكد أن الإخلاء لم يكن بمبادرة محلية. "وكرر الجنرال نركيس التباهي بنفسه بأنه قام بدور مركزي في طرد السكان. وقبل الحرب قال لجنوده إن الأردن سينضم إلى المعارك "وسنكنس كل العرب من الضفة". وبعد الحرب اعترف نركيس بأن جزءا من عمليات الطرد التي بادر إليها كانت انتقامية، "ورغم أن رابين أمره بوقف الطرد، لكن نركيس كان يتمتع بدعم من ديان، الذي أراد وضع حقائق على الأرض".

وبعث المستشار القضائي لوزارة الخارجية الإسرائيلية، ثيودور ميرون، في نهاية العام 1967، رسالة إلى مدير عام الوزارة حول "طرد العرب إلى شرقي الأردن" وقال فيها إن "طرد السكان يشكل انتهاكا خطيرا لمعاهدة جنيف. والنشر حول الموضوع سيؤدي إلى تعقيدات"، ما يدل على أن ديان لم يكن الوزير الوحيد الذي شجع على الطرد.

 

طرد سكان هضبة الجولان

وسيطر جيش الاحتلال الإسرائيلي بالكامل على هضبة الجولان بعد ثلاثة أيام من القصف الشديد. وتبين إثر ذلك، وفقا للتحقيق، أن تبقى حوالي 6 آلاف مواطن سوري في الهضبة من أصل 130 ألفا. وبعد الاحتلال مباشرة تم فرض حظر تجول على السكان الباقين، ومنع بالقوة سكان، اختبأوا في المنطقة أثناء الحرب، من العودة إلى الهضبة.

وشملت وثيقة محفوظة في "مركز يتسحاق رابين" شهادة للضابط الإسرائيلي إلعاد بيلد، الذي قاد احتلال هضبة الجولان، وجاء فيها أنه بعد أيام من نهاية الحرب اتخذ القرار بأن تحضر القوات "مع جرافات من أجل القضاء على القرى، بحيث لا يكون مكان للعودة إليه".

وفي منتصف حزيران/يونيو، سأل قائد قوات الاحتلال في مدينة القنيطرة المحتلة مندوب المدعي العسكري إذا كان مخولا "أن يخرج بالقوة السكان الذين وصلوا إلى المدينة، وإذا بالإمكان نقل سكان بالحافلات إلى الأراضي السورية".

وجاء في الرد أنه منذ 11 حزيران/يونيو "بدأ الحكم بالاعتناء بالسكان الذي بقوا داخل الاحتلال، من خلال التشديد على الأقليتين الدرزية والشركسية". وفرضت رقابة على باقي الجملة. ثم كتب أن "تم البدء في تجميع السكان الذين بقوا في القنيطرة، واتخذت خطوات متشددة بشأن النهب".

وبعد شهر على نهاية الحرب، توجه ضابط الارتباط الإسرائيلي في الأمم المتحدة إلى القيادة الشمالية لجيش الاحتلال، في أعقاب مجموعة كبيرة من الاتهامات التي وجهتها سورية ضد إسرائيل، وجاء فيها أن "التخويف بتهديدات سكان القرى كان حجمها كبير، بحيث إن معظم السكان غادروا بيوتهم وهربوا"، بينما في بعض القرى بقي المسنون.

وجاء في التقرير أن عمليات تخويف السكان تمت بأشكال مختلفة، بينها "إطلاق نار بهدف دفع السكان على الرحيل، إطلاق نار عشوائي، إهمال الموتى، وطرد السكان"، إلى جانب "تجويع السكان المتبقين بواسطة إحراق حقول القمح".

وأضاف التحقيق أنه "في حالة واحدة تم تقسيم السكان إلى مجموعتين، الشبان تحت سن 25 عاما تم أسرهم واقتيدوا إلى إسرائيل، والباقون طردوا إلى جنوب سوريا فيما كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم".

وفي موازاة عمليات الطرد، انشغلت القوات الإسرائيلية في أخذ "الغنائم"، وجاء في الشكوى التي قدمتها سوريا إلى الأمم المتحدة أن "عمليات السطو والنهب استمرت دون توقف. والبحث يتركز على مجوهرات النساء والذهب وأجهزة التلفزيون. وتم نهب جميع الحوانيت في القنيطرة. كذلك نهبت معظم البيوت، وحتى الأثاث الذي أعجب الغزاة لم يبق وتم نقله إلى فلسطين المحتلة بشاحنات". وهناك شهادات كثيرة لجنود من جيش الاحتلال على ذلك، وقال أحدهم إنه "إذا لم آخذ أنا شيئا فسيأخذه أحد آخر، وهؤلاء سيكونون من الشرطة العسكرية".