عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 25 أيار 2026

بازار نسوي في قلب البلدة القديمة بنابلس يُقاوم الركود

ساحة المنارة تتزين بمنتجات نساء يفتحن أبواب الرزقبخيوط التطريز وروائح المعجنات

نابلس- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات - اصطفت الطاولات الخشبية الصغيرة جنبا إلى جنبفي ساحة المنارة في البلدة القديمة بنابلس، كأنها زوايا دافئة تحمل حكايات نساء قررن أن يطرزن الصبر بأيديهن قبل الخيوط. هنا لا تعرض البضائع فقط، بل تعرض سنوات من التعب، ومحاولات النساء لتحويل الموهبة إلى مصدر رزق، وسط واقع اقتصادي خانق يثقل تفاصيل الحياة اليومية.

بين رائحة المعجنات الشعبية، وألوان التطريز الفلسطيني، وقطع الكروشيه المعلقة بعناية على أطراف الطاولات، جلست جميلة أبو عيشة من بيت وزن، وهي حرفية متخصصة في فن التطريز اليدوي والكروشيه، ترتب مشغولاتها اليدوية بهدوء، وتراقب المارة بعينين تحملان مزيجا من الأمل والقلق؛ أمل بزبون يتوقف ليشتري قطعة صنعتها بيديها، وقلق من يوم قد ينتهي دون أن تغطي حتى تكلفة مشاركتها في المعرض.

منذ أكثر من خمسة عشر عاما، بدأت جميلة رحلتها مع التطريز والكروشيه، بعدما تعلمت هذه الحرفة كهواية منذ طفولتها، قبل أن تطورها مع مرور السنوات بدعم وتشجيع من صديقاتها. تقول إن المعارض والبازارات أصبحت اليوم متنفسها الأساسي لعرض منتجاتها، بعد أن تراجعت مشاركاتها في معارض رام الله بسبب صعوبة الطرق وارتفاع تكاليف التنقل وتراجع الحركة التجارية.

وترى جميلة أن العمل اليدوي لم يعد كما كان في السابق، موضحة أن الإقبال بات متذبذبا بفعل الظروف الاقتصادية الصعبة.

تقول أبو عيشة: "أياما تكون جيدة وأياما أخرى خفيفة جدا"، مشيرة إلى أن أول ما تسأل عنه قبل المشاركة في أي معرض هو تكلفة "الزاوية" أو الاشتراك، لأن ارتفاعها قد يحول مشاركتها إلى خسارة بدلا من فرصة للبيع.

ورغم التحديات، ما تزال جميلة تتمسك بخيط الإبرة والكروشيه، وتواصل عرض أعمالها أسبوعيا في الأسواق والمعارض، معتبرة أن هذه الحرفة ليست مجرد هواية، بل مصدر دخل يساعد أسرتها على مواجهة أعباء الحياة، ولو بقدر بسيط.

وتوضح فاطمة القدومي، مديرة المركز النسوي "بيت الكرامة" التابع لـ جمعية البلدة القديمة الخيرية، أن فكرة البازار جاءت لإضافة اللمسة الأنثوية إلى ساحة المنارة والبلدة القديمة، وإعادة التأكيد على الدور التاريخي للمرأة الفلسطينية التي وقفت، كتفا إلى كتف بجانب الرجل في مختلف الظروف التي مر بها الشعب الفلسطيني.

وتشير القدومي إلى أن السوق يضم نحو (30) امرأة يعملن في مجالات متعددة، من التصنيع الغذائي، والأشغال اليدوية، والتطريز، إلى المنتجات التراثية والأفكار النسوية الحديثة، موضحة أن الهدف الأساسي يتمثل في خلق بيئة تسويقية جديدة تتيح للنساء فرصة عرض منتجاتهن والوصول إلى الناس مباشرة، في ظل التراجع الاقتصادي وصعوبة التسويق التي تعاني منها الكثير من المشاريع المنزلية الصغيرة.

لكن البازار، بحسب القدومي، لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل يحمل أيضا رسالة مرتبطة بإحياء البلدة القديمة وإعادة الحياة إلى شوارعها وأسواقها وتجارها، من خلال استقطاب الزوار وإعادة الحركة إلى المكان الذي أنهكته الظروف الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الأخيرة.

وتقول إن اختيار يومي السبت والأحد لإقامة السوق بشكل دوري لم يكن عشوائيا، بل جاء بالتزامن مع توافد فلسطينيي الداخل إلى مدينة نابلس، مضيفة: "هم ليسوا مجرد زوار أو متسوقين بالنسبة لنا، بل الشق الآخر من الروح والقلب، وهذه اللقاءات تشكل جسورا تعزز انتماءنا ووحدتنا كشعب فلسطيني".

وترى القدومي أن المرأة حين تعرض منتجها في السوق، فهي لا تعرض قطعة تطريز أو صنفا غذائيا فحسب، "تعرض إرادة وصمود وثبات، وتحاول أن تؤمن دخل يحفظ كرامة عائلتها".

وأوضحت أن السوق انطلق بشكل دوري كل يوم سبت وأحد في ساحة المنارة، مؤكدة أن هذه المبادرة جاءت أيضا لاستيعاب نساء لم تتح لهن فرصة المشاركة في أسواق أخرى، خاصة في ظل ازدياد أعداد النساء اللواتي يبحثن عن مساحة لعرض منتجاتهن.

وتؤكد القدومي أن الافتتاح الأول للسوق كان مجانيا بهدف تعريف النساء بالمكان وتشجيعهن على المشاركة، موضحة أن الرسوم المستقبلية ستكون رمزية لتغطية التكاليف التشغيلية الأساسية، مثل تجهيز الطاولات والكراسي والتنظيف.

وتلفت إلى أن جمعية البلدة القديمة الخيرية، التي تأسست عام 2008 داخل البلدة القديمة، تنشط في مجالات اجتماعية وثقافية ورياضية وكشفية، إضافة إلى إدارة المركز النسوي "بيت الكرامة" المختص بتمكين النساء ومشاريعهن.

وتشير القدومي الى ان ما يميز هذه الأسواق ليس اختلاف المنتجات بقدر ما هو عزيمة النساء وإصرارهن على الاستمرار رغم كل الظروف.

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن أبواب السوق ما تزال مفتوحة أمام النساء الراغبات بالمشاركة، مشيرة إلى وجود رغبة واسعة من تجار وأهالي البلدة القديمة لدعم هذه المبادرات، خاصة بعد نجاح فعاليات سابقة هدفت إلى تنشيط الحركة التجارية وإعادة الحياة إلى قلب نابلس القديمة.

ومع غروب الشمس فوق حجارة البلدة القديمة، تبدأ النساء بجمع مشغولاتهن عن الطاولات الصغيرة، لكن ما يبقى في ساحة المنارة ليس مجرد بازار عابر، بل مشهد لنساء يحاولن انتزاع مساحة للحياة وسط الضيق الاقتصادي. بخيوط التطريز، وروائح المأكولات، وأعمال الكروشيه اليدوية، تواصل المشاركات حياكة حكايات صمود يومية، في مدينة تبحث هي الأخرى عن نافذة تعيد إليها الحركة والدفء والحياة.