ما الذي نتوقعه من مؤتمر فتح الثامن؟
باسم برهوم

بالضرورة أن نتعامل مع المؤتمر الثامن الذي ستعقده فتح في منتصف شهر أيار/ مايو القادم بواقعية، لأن ما يميز فتح أنها الحركة الأكثر تعبيرا عن واقع الشعب الفلسطيني من دون أي إضافات أيديولوجية، يسارية كانت أم يمينية أو التطرف الديني، وبهذا المعنى يمكن النظر إلى فتح بأنها شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني، من الناس العاديين الذين تجمعهم الهوية الوطنية الفلسطينية ولا شيء آخر. وبما أن فتح كذلك فإن الأزمات العميقة التي يعاني منها الشعب والمجتمع هي ذاتها تقريبا التي تعاني منها فتح.
والمؤتمر يعقد في أكثر الظروف سوءا منذ نشأتْ القضية الفلسطينية، وأن الشعب الفلسطيني يعيش في أزمات معقدة، شعب يعاني من آثار حرب إبادة جماعية مرعبة، مقدراته مدمرة تماما في قطاع غزة، ويخضع لإرهاب وحصار مالي وسياسي وقلق عميق يتعلق بمصيره في الضفة. وأن نأخذ بالاعتبار ما سبقت الإشارة له بأن فتح هي في قلب هذه الأزمات لأنها هي الشعب الفلسطيني، فإن توقع حلول سحرية أو شبه سحرية من مؤتمر فتح الثامن هو أمر غير واقعي.
ولكن وبالرغم مما سبق، فإن فتح هي من يقود حركة الشعب الفلسطيني الوطنية، وهي من يتحمل المسؤولية، فإن من حقنا أن نتوقع وأن نطالب دون أن نرفع سقف التوقعات، فإذا لم تبادر فتح إلى طرح الحلول والبرامج فمن غيرها يمكنه ذلك، وما دمنا نعيش ضمن هذا الواقع، فإن على الشعب أن يبادر ويضغط على فتح ويطالبها ببرنامج واقعي ينقل الحالة الفلسطينية إلى وضع يهيئ لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرض وطنه. ما هو مطلوب من فتح ونتوقعه منها يمكن حصره في أربع قضايا رئيسية، أولا: أن تقدم فتح نفسها موحدة ومتماسكة، تكرس المبدأ الديمقراطي في حياتها الداخلية، وتقدم قيادة تجمع بين الخبرة وروح الأجيال الجديدة وأن تحافظ على عقد مؤتمراتها كل أربع سنوات، وأن يظهر للشعب أن التنافس داخلها هو على البرامج والفكر وليس على المناصب.
ثانيا: أن تقدم حلولا لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى أسس ديمقراطية تضمن أكبر قدر من الوحدة والتماسك الوطني، وهذا يتضمن إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية الكيان السياسي الفلسطيني الذي يجمع بين كل الشعب الفلسطيني في الوطنوالشتات، وأن تطرح أفكارا خلاقة لإعادة بناء المنظمة بحيث يفسح المجال لتيارات شبابية فلسطينية تعيش في الخارج ومنسجمة مع العصر والحداثة أن تندمج بالمنظمة.
ثالثا: أن تقدم برنامجااقتصاديا تنمويا قابلا للتطبيق، برنامجا يستغل الموارد والطاقات بشكل أفضل، يهيئ لنوع من الاعتماد على الذات، ويقلل الاعتماد على التمويل الخارجي الذي في الغالب يشارك في الحصار على الشعب الفلسطيني. برنامجا يزيد من المساحات المزروعة، وينشط ويدعم مشاريع للشباب في الريف بهدف تعزيز صمودهم هناك.
رابعا: أن تقدم برنامجا سياسيا ينبع من الواقع الفلسطيني كما هو، بهدف تجاوز الأزمات الراهنة، برنامجا يدفع باتجاه إعادة إعمار قطاع غزة ويعزز الصمود في الضفة، بعيدا عن أي شعارات ومزايدات، فالهدف الذي يجمع عليه أغلب الفلسطينيين هو هدف الدولة المستقلة، وأن ما نحتاجه برنامجا عمليا يقود تدريجيا لتحقيق هذا الهدف، بمعنى أن المهم اليوم ليس تحديد الأهداف وإنما كيفية الوصول إليها وهو بالتحديد أن تقدمه فتح في مؤتمرها الثامن، برنامجا عمليا بمراحل تتصاعد ومرتبطة بالأساس بتعزيز الصمود كمدخل لتحقيق الأهداف لاحقا.
ما يتوقعه الشعب الفلسطيني من فتح هو أن تقدم برامج عملية قصيرة ومتوسطة الأجل، ولكن الأهم أن تشعر الرأي العام أنها لا تزال قادرة على قيادة الحركة الوطنية والشعب الفلسطيني، وهذا يستدعي أن نلمس وحدة فتح وتماسكها، وأنها تمتلك ديناميكية الاستمرار عبر برامج واقعية وعملية.
مؤتمر فتح بالضرورة أن ينطلق من الواقع وليس من تخيلات النخب التي لا يعيش أغلبها بين الناس على الأرض وتعلم متطلباتهم الحقيقية، أو أنها تحاول نقل تجارب أخرى لتطبقها على الشعب الفلسطيني، فالنظر لمؤتمر فتح ولأي مسألة وطنية بالضرورة أن يبدأ من الواقع وليس من العالم الافتراضي. وبهدف التوافق على ما هو الواقع المقصود، فيمكن تلخيصه، بأن قطاع غزة مدمر وأكثر من نصفه محتل مباشرة من إسرائيل، والنصف الثاني تحت القصف والجوع والأزمات الخانقة، مدمر اقتصاديا واجتماعيا وأصبح قرار مستقبله بيد مجلس سلام لا نزال نجهل أهدافه الحقيقية.
وفي الضفة هناك عملية تطهير عرقي تسير ببطء ومساحات تضيق في الريف وحول المدن، وإرهاب دولة ومستوطنين، واقتصاد يوشك على الانهيار التام، وسلطة وطنية محاصرة سياسيا وماليا، مع أفق سياسي مسدود. كما أن هناك ضعفا ملحوظا بالحركة الوطنية الفلسطينية عموما. فصائل لا تزال مرتبطة بأجندات خارجية، أو أخرى تفتقر لدعم شعبي.
بالمقابل هناك في الواقع شعب لا يزال صامدا متمسكا بأرضه وسلطة يمكن تصليب عودها كي تصمد، وتتحول إلى دولة بعد الخروج من عنق الزجاجة الراهن.
ثمة حاجة لرؤية هذا الواقع كما هو، ومن هناك نبدأ، وثم نفكر ما هو المتوقع من فتح؟
مواضيع ذات صلة