الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 نيسان 2026
أجل، في مثل هذا الشهر من عام 1948، ما كانت لبلدة (دير ياسين) القريبة جداً من مدينة القدس بوابة، شأنها في ذلك شأن البلدات الفلسطينية التي جعلت البراري، والتلال، والوهاد، أمكنة مأنوسة، محروسة بالمحبة والغناء والترحيب، فكل من يمتلك المحبة يستطيع العبور إلى أي بيت، وسوف يلاقي المحبة والترحاب.
في مثل هذا الشهر (نيسان 1948) صار دحنون بلدة (دير ياسين) أكثر حمرة، وتطاولاً، ونداء، وبكاء، وقد عرفت الطبيعة كيف تبديه لأن أرض القرية ارتوت بدم أهلها، صغاراً وكباراً، نساء ورجالاً، شيوخاً وأطفالاً، بعد أن فجرت أصابع الديناميت الإسرائيلية الكثير من بيوتها الحجرية ذات الزرقة الراهجة نهاراً والآمنة ليلاً؛ لقد دخلها المستوطنون الإسرائيليون، وهم اللصوص، خلسة في عتمة غامقة، نفذوا من بين أسيجة العليق التي تسوّر حواكيرها، وتسللوا إلى أقرب البيوت، ودفنوا أصابع الديناميت في ما احتفروه من حفر صغيرة قرب حيطانها، وخرجوا مثلما دخلوا غرباء لصوصا، ولم يشعر بهم أي أحد من سكان القرية لأنهم كانوا، على عادتهم، ينامون باكراً، ويستيقظون باكراً، لكن قسماً منهم، وهو كثير وعزيز، لم يستيقظوا في ذلك الصباح النيساني، ليس لأن الشمس لم تشرق، ولا لأن أجراس الماشية لم تجلجل، بل لأن الديناميت طار بالبيوت والهدوء والطمأنينة عند الفجر، فرحل الكثيرون، رحلوا فجأة مثل طيور دهمتها شرور الأفاعي ليلاً، وجرح الكثيرون، ودمرت بيوت؛ وعلت أصوات الفاجعة، وعرش الخوف، ثم عرفنا حقيقة ما جرى!
كان أهالي بلدة (دير ياسين)، يعرفون شرور المستوطنين الإسرائيليين، ويعرفون نياتهم ورغائبهم، لأن المناوشات ما بين الطرفين كانت كثيرة، ورغبة الإسرائيليين بتهجير أهالي القرية وطردهم كانت بادية واضحة، لأن تهديداتهم واستفزازاتهم كانت يومية، لكن ما لم يعرفه أهالي (دير ياسين) هو أن تصير رغبات المستوطنين تلالا من وقاحات لا تأخذ اعتباراً لأي قانون دولي، أو حقوق إنسان، أو حرمة أديان، أو أعراف أخلاقية، أو مراعاة للأطفال والنساء والشيوخ النيام بعد يوم طويل استغرقه تعب ثقيل.
في الصباح، ما كانت القرية هي القرية، وما كان أهلها على عادتهم، وما كانت الحواكير، ولا الطيور، ولا الأضواء في نشورها الصباحي البهي، وما كانت ترى رهجة لصفحات ماء الغدران؛ كان الدودحان، في ذلك الفجر، يرتدي لون الدم، وكان البكاء فسيحا طويلاً عالياً، وكانت البيوت التي طالها الدمار عرائش من شوك وأحزان وألم وأوجاع وأنين، لأن السقوف خرت فوق الأهالي النيام، والحيطان مالت عليهم، وارتمت فوقهم، وكان صراخ الجراح هو الأعم والأعلى والأبعد والأوجع، وكانت رائحة الديناميت هي رائحة البارود الموحشة، تمشي عجلى من مكان إلى آخر، وكانت حركة الناس حذرة سريعة ناشطة لإنقاذ المنادين المتوجعين المتألمين تحت الحيطان والسقوف التي انحنت، ولم تمر سوى ساعات حتى امتلأت ساحة (دير ياسين) بالجرحى، والموتى المغدورين! وجاءت عربات الجر لتنقل الجميع إلى أقرب المشافي التي يعرفونها، ومنها مشافي القدس، لكن، وفجأة أيضاً، اقتحم المستوطنون الإسرائيليون القرية بصراخهم، وضجيجهم، وسياراتهم، وجراراتهم الزراعية، وعرباتهم الكبيرة المكشوفة، وراحوا يطلقون النار، وينادون، ويهددون، ويستعرضون عضلاتهم، نفر من أهالي دير ياسين طالهم الرصاص، فوقعوا، ونفر آخرون من الأهالي خرجوا عليهم بالعصي والمذاري والشواعيب وقضبان الحديد والحجارة، وعندئذ، ضج المستوطنون أكثر بالمناداة والصراخ والتهويل والخوف، وراحوا يطلقون الرصاص في كل الاتجاهات، وعلى الجرحى، ليجهزوا عليهم، مثلما راحوا يحملون بعض من ماتوا إلى عرباتهم، ومقطورات جراراتهم، وسياراتهم الكبيرة المكشوفة التي يستخدمونها في نقل البضائع، ومضوا بهم ليطوفوا في القرى والبلدات الفلسطينية القريبة من بلدة (دير ياسين) في مشهد أليم بشع، كانوا يمرون بالقرى وهم يحملون رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ الذين قتلتهم أصابع الديناميت، ويلوحون بالاذرع والأرجل التي مزقتها وبترتها أصابع الديناميت كي يخوفوا أهالي القرى الأخرى، ويدخلوا الرعب إلى قلوبهم!
نعم، في ذلك الصباح النيساني الذي اصطبغ بالدم، ذاع خبر مجزرة (دير ياسين)، وفعل الإسرائيليين الناقص، وتلاقت أحزان الليل، بأحزان النهار، وعرف أهل القدس، وأهل القرى والبلدات التي تحيط بها ما حدث في (دير ياسين)، لقد قتل الإسرائيليون في ذلك الليل، نصف سكان بلدة (دير ياسين)، وأدخلوا الرعب والخوف إلى قلوب أهالي القرى المحيطة بها، لأن الحدث استتبع بدعاية إسرائيلية، غاية في الغوغائية، تقول: إن مثل هذا.. سيحدث في جميع القرى والبلدات الفلسطينية التي لم يخرج أهلها منها بعد!
لكن ما حدث، وعبر مشاهد لم تعرفها سوى مرويات الأساطير، هو أن قطعان الماشية التي فرت من مهاجع نومها ليلاً، وشردت في البراري، عادت إلى القرية حين انتشر ضوء الفجر، مثلها مثل طيور الحمام التي عادت إلى وكناتها التي تبيت فيها، إنها الفطرة التي عادت بقطعان الماشية إلى أمكنتها، وهي روح الاجتماع، ومكانة المكان، وعزة الأرض، ونفرة الوعي، وتجليات الطمأنينة.. التي أبقت الأهالي الأحياء في ( دير ياسين) ، وهي التي جعلتهم ينادون: بيتي، بيتي! ووحدة الدم، والوطن، والمصير هي التي جعلت أهالي القرى والبلدات المجاورة لـ( دير ياسين) يتوافدون عليها ليروا ما حدث، وليتفقدوا الأحياء والأموات والجرحى والبيوت، بعد أن خرج المستوطنون من البلدة التي احتلوها لساعات بقوة السلاح، وبعد أن رموا الجرحى والموتى في الطريق، كما لو أنهم أكوام تراب، أو ثياب عتيقة! كان المشهد دامياً وصعباً، وكله ألم ثقيل، يلفه بكاء عميم ؛ فلا سلاح بين أيدي أهالي القرية، بسبب شدة رقابة المحتل البريطاني، وقسوة قرارته الظالمة، لأنه كان يعدم ويشنق الفلسطينيين لمجرد الاشتباه بأنهم يقتنون السلاح أو الرصاص، في الوقت نفسه الذي افتتح البريطانيون فيه المعسكرات لتدريب أفراد العصابات الإسرائيلية على استخدام السلاح.
بعد ذلك النهار الحزين في (دير ياسين) تعددت المجازر الإسرائيلية وتكاثرت، فطالت بشرورها بلدات وقرى كثيرة، مثلما طالت بشرورها أيضاً أحياء في مدن صفد وحيفا وعكا ويافا وغزة والخليل وبيت لحم.
قلت كل هذا، وهو موجع وأليم، وفيه مفارقات مذهلة، كي أشير إلى أن عقيدة الإسرائيليين لم تتغير، منذ عام 1948 وحتى يومنا الراهن، إنهم يريدون الإستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، والتقليل من عدد السكان الفلسطينيين، ويومذاك في( 1948) كانوا يستخدمون الديناميت للترويع والاخافة، فقتلوا وجرحوا وهجروا ودمروا، واليوم، ها هم يستخدمون الطائرات كي تلاحقنا نحن أهل الأرض، في قرانا ومدننا، كي نصير في عداد الجرحى أو الموتى أو المهجرين! لكن الأيام، وهي رواية التاريخ، و كذلك الذواكر، وهي المدونات، والكتب.. تقول للإسرائيليين وتخبرهم صباح مساء، أن القوة لا تجعل الباطل حقاً، ولا المستوطن مواطناً، وأن السعداء الشهداء الفلسطينيين قبل أن يشهقوا شهقتهم الأخيرة يطلبون رضا الأهل، والبلاد، وحسن الخاتمة، وأن الجرحى الفلسطينيين يغنون لجروحهم، كي تهدأ وتستكين: بلادي، بلادي.. لك حبي وفؤادي!