عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 22 نيسان 2026

أنياب الاستيطان تنهش مدرسة المالح

طوباس والأغوار الشمالية- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- ضاقت الدنيا في وجه العشريني عمار فقهاء، عقب ليلة صعبة شهدها تجمع حمامات المالح، في الأغوار الشمالية.

وبشق الأنفس، استطاع فقهاء البوح قليلا بعد هدم مجموعات المستوطنين لمدرسة المالح الأساسية، تحت جنح الظلام، ليلة أمس الأول الإثنين.

يقول بصوت حزين لـ"الحياة الجديدة" إنه يشعر بفقدان أعز شيء عليه في الدنيا، فقد كانت المدرسة كل حياته.

ويضيف بألم: أعمل في المدرسة منذ 6 سنوات، وتعرضت للإصابة والاعتقال أكثر من 25 مرة، وكنت أصل إليها للدوام أيام الجمعة والسبت، وبت الكثير من الليالي فيها، وكان طلابها يعتبرونني مثل والدهم، ويركضون نحوي، إذا ما تأخرت.

ووفق فقهاء، فإنه اضطر لحرق 3 علب من السجائر خلال النهار، كي يتمالك نفسه، ولا يصاب بسكتة قلبية، إثر تدمير المدرسة، وحرمان طلبتها منها.

ويؤكد بكلمات قليلة مختلطة بالبكاء: لا أبالغ إن قلت لكم إنني لم أتزوج، كانت المدرسة هي عالمي، وحلمي، وقد بنيتها "طوبة طوبة"، ومستعد الآن أن أذهب إليها لنصب خيمة، وأعيد طلبتنا إليها.

ويتابع: لم أستطع الوصول أمس الثلاثاء إلى المدرسة، رغم العديد من المحاولات، فلم أجد مركبة لأنتقل من مكان سكني في خربة الحمة؛ لتخوف السائقين من الانتقال إليها.

يحفظ فقهاء جيدا تاريخ تعيينه آذنا في المدرسة يوم الأحد 17 آب 2022، ويوثق عدد المرات التي تعرضت لها لاعتداءات استيطانية، وكان شاهدا على تناقص طلبتها من 70 إلى 15 بفعل ملاحقة عائلاتهم، وحرمانهم من المراعي، والمضايقة اليومية لهم.

ويتجدد القهر في قلب عمار، الذي بالكاد استطاع تمالك نفسه، ويؤكد أنه كان يجيب حول أسئلة ارتباطه بشريكة حياة، بالقول: "تزوجت المدرسة"، التي اعتبرها روحي.

تعرض فقهاء لعشرات الاعتداءات من جنود الاحتلال والمستوطنين، وأقام فترات طويلة في مستشفيات طوباس، وأريحا، ووصل عيادات صحية في المكان.

ويتابع: زرعت شجرة زيتون، وأزهارا، وإسكدنيا، وأشجارا حرجية، وآخر مرة استطعت الوصول إليها قبل أسبوع، وكنت أتعهد بصيانتها، وكان لدي إصرار كبير أن أعيد افتتاح المدرسة، بعد كل جولة تدمير وتخريب.

ويقول: كنت أتأخر عدة ساعات بعد الدوام لرعاية المدرسة، وأقصى أمنيات عمري أن تعود المدرسة، ولا أملك أي مشروع زواج، أو بناء بيت خاص، أو تأسيس أسرة، وأهداف كلها محصورة في إعادة بنماء المدرسة، والصمود فوقها.

وكانت المدرسة توفر التعليم لطلبة التجمعات الغورية في البرج، وأم الجمال، والمالح، وعين الحلوة، والميتة، وكانت في البداية روضة، ثم صارت مدرسة، أقيمت على أرض مستأجرة من البطريركية اللاتينية.

ويسيطر الشعور بالقهر على الناشط محمد ضبابات، الذي يصف لـ"الحياة الجديدة" ما جرى في المالح بـ "كارثة كبيرة، تهدد الوجود الفلسطيني كله في الأغوار الشمالية.

وحسب رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية، مهدي دراغمة، فإن غالبية طلبة المدرسة انتقلوا إلى مناطق طوباس وجنين، بعد أن تحولت حياتهم إلى جحيم، بفعل اعتداءات المستوطنين اليومية.

ويعرب لـ"الحياة الجديدة" عن خشيته بأن تصبح الأغوار الشمالية خالية من أي وجود للمواطنين، الذين يتجرعون المر منذ خريف 2023.

ويكتب دراغمة في منصة تتابع الأغوار: لم تكن مدرسة المالح مجرد جدران وسقف، بل كانت حلما صغيرا ولد وسط قسوة الصحراء، ليمنح أطفال المضارب البدوية حقهم في التعلم والحياة. وأنشئت بجهود جبارة، وبأيد تعبت لتبني مكانا يحمي أحلام الطلبة من الجهل والحرمان، فكانت نورا يضيء دروب الأطفال في منطقة أنهكها البعد والتهميش.

ويكمل: في ساحاتها كانت ضحكات الصغار تملأ المكان، وعلى مقاعدها كتبت أول الحروف، ورسمت أول الأحلام. هناك تعلق الأطفال بكتبهم ودفاترهم، وهناك صنعت المعلمات والمعلمون ذكريات لا تنسى، بين درس يشرح وأمل يزرع في القلوب.

ويوالي: لكن في ظلمة الليل، حين يسكن المكان ويغفو الأطفال على أمل صباح جديد، امتدت إليها يد التخريب والهدم من المستوطنين، فحطمت النوافذ، وخلعت الأبواب، وتشوهت الجدران التي كانت تحفظ أصوات الطلبة. وتحول المكان الذي كان بيتا للعلم إلى مشهد موجع حافل بالخراب والصمت.

ووفق مدير عام التربية والتعليم، في طوباس والأغوار الشمالية، عزمي بلاونة، فقد تعرضت المدرسة في العامين الأخيرين لاعتداءات واسعة، وأجبر أغلبية أهالي المنطقة على الرحيل.

ويبين لـ"الحياة الجديدة" أن المدرسة المستهدفة كانت تضم 7 معلمين ومعلمات، وتمتد من روضة أطفال، وحتى الرابع الأساسي، وكانت الوزارة توفر حافلات حكومية لنقل الطلبة.

بدورها، أكدت وزارة التربية والتعليم العالي في بيان أن ما أقدم عليه الاحتلال من تدمير وتجريف مدرسة المالح الأساسية في الأغوار الشمالية التابعة لتربية طوباس، والاستيلاء على مبناها القديم ورفع أعلام الاحتلال فوقه؛ يشكل جريمة جديدة بحق الطلبة في الوصول الآمن إلى التعليم.

وأضافت أن هذه الإجراءات تأتي في سياق تحديات متزايدة تواجه قطاع التعليم في المناطق المهددة، لا سيما في الأغوار الشمالية، حيث تتأثر البيئة التعليمية سلبا نتيجة الممارسات التي تعيق استقرار العملية التعليمية واستمراريتها.

وأشارت الوزارة إلى أن المساس بالمؤسسات التعليمية والبنية التحتية المرتبطة بها يتعارض مع المبادئ والقوانين الدولية التي تضمن حماية الحق في التعليم، وتدعو إلى ضرورة صون هذا الحق وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقرة للطلبة.

وشددت على مواصلة جهودها بالتعاون مع الشركاء كافة؛ لتعزيز صمود المدارس والطلبة، والعمل على توفير البدائل التي تضمن استمرار التعليم في مختلف الظروف.