نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في نابلس، ذاكرة مثقلة بألم اسمه نيسان، لم تكن كذبة، بل جريمة، في ذلك الشهر من العام 2002، لم تكن المدينة تحاصر فقط، كانت تمحى ببطء، كأن أحدهم يمحو ذاكرة كاملة بممحاة من نار.
يكفي أن تقول "اجتياح نيسان" لتعود الذاكرة 22 عاما إلى الوراء تروي تفاصيل الجريمة وكأنها شريط سينمائي يمر أمام الأعين للتو.
نابلس يومها كانت قلبا مفتوحا على الخوف، وعلى الحكايات التي لم ترو بعد.
في ذلك المساء، حين انقطع الصوت عن المآذن، فهم المواطنون أن الصمت ليس عبادة، بل إنذار.
لم يكن المشهد مجرد عملية عسكرية عابرة، بل فصل دام من ذاكرة مدينة قدمت أكثر من 70 شهيدا خلال أيام الاجتياح، وإصابة واعتقال المئات.
أما الحجر، فقد كان شاهدا أثقل من البشر؛ إذ دمر الاحتلال ما يزيد عن 100 منزل بشكل كلي، وتضرر مئات المنازل الأخرى بالبلدة القديمة في نابلس، حيث جرى شق طرق بالقوة داخل الأزقة الضيقة عبر هدم الجدران، وتحويل البيوت إلى ممرات للجنود.
يقول أبو العبد ناصر، بصوت يشبه جدارا قديما تشقق من كثرة ما سمع: "كنا نظن أن الليل سيحملنا إلى الصباح، لكن الليل طال، حتى صار الصباح نفسه خائفا من القدوم".
يتابع أبو العبد: "في تلك الليلة، لم نسمع طرقا على الباب، سمعنا الجدار يسقط، فلم يكن الدخول عاديا، والبيوت فتحت بالقوة، لا من أبوابها، بل من جدرانها، صار المنزل ممرا لمنازل أخرى وصار الخوف ساكنه الوحيد".
في قلب البلدة القديمة في نابلس، لم يكن الوصول إلى المستشفيات ممكنا، شهداء يرتقون وجرحى يئنون من الألم، الإسعاف منع والطرق قطعت والجرحى كانوا ينزفون في الأزقة.
يروي عمر محمد الذي كان حاضرا في البلدة القديمة كيف تحول مسجد البيك إلى مستشفى. يقول: "لا أسرة، ولا أجهزة، فقط أيد تحاول أن تبقي القلب نابضا كان الجرحى ينقلون مشيا، أحيانا مئات الأمتار، وربما أكثر، كنا نأتي بالثلج من البيوت لوضعه على جثامين الشهداء، فحتى دفنهم لم يكن ممكنا".
ويتابع حديثه بألم: "كنا نحمل الجريح ونركض، إذا سقطنا، نقوم، وإذا تأخرنا، نخاف أن نكون قد تأخرنا للأبد".
ويضيف عمر: "داخل المسجد، امتزجت رائحة الدم بخشوع المكان، وصار المحراب شاهدا على معركة أخرى، معركة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدأنا نضع الشهداء في زاوية نغطي وجوههم، ونكمل".
أم محمد عاشور لم تكن تبكي، كانت تقنن دموعها، كما تقنن الخبز والماء، تصف الاجتياح كأنه أشبه بحكاية بلا نهاية، فالأصوات هناك لم تكن تأتي من الخارج فقط، بل من الداخل أيضا، قلب يخفق بسرعة، أنفاستعد، وأمهات يتعلمن كيف يهدئن الرعب بكلمة "سيذهب كل شيء، لا تخف".
يقول عنان أيوب الذي كان في العشرين يومها بينما اليوم في عقده الرابع: "كنا قرب الموت، كبرت في أيام معدودة، لم أعد أعرف إن كنت ما زلت ذلك الشاب، أم أنني أصبحت ذكرى لنفسي".
يستذكر أيوب استشهاد عائلة الشعبي التي دك طيران الاحتلال منزلها قائلا" "لم نسمع صراخا، كل شيء حدث بسرعة، فالبيت انهار دفعة واحدة فوق أهله فاستشهد ثمانية من أفراد العائلة، ركضنا نحو المكان، لم يكن هناك بيت، كان هناك ركام وصمت".
هكذا كانت نابلس في نيسان 2002، مدينة لا تروى كحدث عابر، بل كجسد مر عليه الألم، وبقي حيا رغم كل شيء، لم تكن الحكاية عن اجتياح فقط، ولا عن أرقام تكتب في تقارير، بل عن أمهات تعلمن كيف يخبئن الدموع، وعن شباب كبروا دفعة واحدة، وبيوت صارت أسماء في ذاكرة الغياب.