مهيب البرغوثي
تتسم لغة عماد أبو صالح في كتاب "اخي لوركا" الصادر عن دار ديوان للنشر والتوزيع في القاهرة بقدر واضح من البساطة المراوغة؛ فهي لغة تبدو مباشرة في ظاهرها، لكنها تخفي طبقات من السخرية السوداء والمرارة الوجودية. الشاعر لا يكتب قصائد تمجيدية للوركا، ولا يستدعيه بوصفه أيقونة رومانسية، بل يحاوره أحيانا بحميمية، وأحيانا بمرارة، وكأنه يخاطب شقيقا قديما يشترك معه في الخسارات نفسها. بهذا المعنى يصبح لوركا مرآة يرى الشاعر فيها صورته وصورة عالمه.
في هذا الكتاب الشبيه بسيرة ذاتية للوركا، لا يظهرفيه تاشاعر بوصفه شخصية تاريخية بعيدة، بل كـ«أخ» شعري. وهذه الأخوة ليست مجازا عابرا؛ إنها محاولة لبناء تضامن شعري بين تجربتين تفصل بينهما الجغرافيا واللغة، لكن تجمعهما مأساة الإنسان في مواجهة السلطة والعنف.
لقد قتل لوركا في بدايات الحرب الأهلية الإسبانية، بينما يكتب الشاعر عماد ابو صالح في زمن عربي تتكرر فيه المآسي والحروب، وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بصيغ مختلفة.
إحدى اهم السمات اللافتة في "أخي لوركا" هي كسر الصورة التقليدية للشاعر البطولي. فالشاعر هنا كائن هش، مرتبك، يعيش تفاصيل يومية صغيرة، لكنه يحمل في داخله وعيا حادا بالمأساة. ومن خلال هذا التوتر بين اليومي والوجودي تتشكل لغة الشاعر ابو صالح .
فالحياة العادية، بكل تفاهتها أحيانا، تتحول إلى مساحة للتأمل في معنى الموت، والخسارة، والنجاة المؤقتة.
في النهاية، يقدم ابو صالح في كتابة الصادرعن دار ديوان 2026 «أخي لوركا» قراءة حول حياة وموت الشاعر الاسباني صاحب اهم تجربة انسانية تقوم على فكرة الحوار الإنساني العابر للحدود.
إنه تذكير بأن الشعراء، مهما اختلفت لغاتهم وأزمنتهم، يشتركون في قلق واحد: الدفاع عن هشاشة الإنسان في عالم لا يكف عن إنتاج العنف.
ومن خلال هذه الأخوة الرمزية مع لوركا، يفتح عماد أبو صالح نافذة شعرية يرى القارئ من خلالها تاريخا كاملا من الألم، لكنه يلمح أيضا إمكانية أن يبقى الشعر شكلا من أشكال المقاومة الهادئة.