عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 15 نيسان 2026

جنين تخسر واصفها..

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- غيب الموت صباح أمس الثلاثاء، الصحفي والشاعر والتربوي ياسين عبد الله السعدي، بعد سيرة ومسيرة حافلتين احتضنتهما قرية المزار المهجرة وحواري جنين.

واصطبغت جنبات سوق السيباط العتيق، حيث عمل الراحل، بالحديث عن فقيد الأسرة الأدبية، وانتقلت مآثر الفقيد سريعا، عبر منصات التواصل.

وعرف الراحل بـ"واصف الشيباني"، وهو الاسم الذي قال لـ"الحياة الجديدة" في حوار سابق معه إنه كان للتحرر من مقص الرقيب العسكري، وللنشر دون قيود الوظيفة العمومية إبان عهد الاحتلال.

وبرع السعدي في سلك التدريس، فقد علم، وفق إفادة سابقة قدمها لـ"الحياة الجديدة" في مدارس مدينة جنين، وبلدات اليامون، وفقوعة، وعربونة، والمزرعة في محافظة رام الله والبيرة، ونزلة عيسى في محافظة طولكرم.

وحسب أستاذ التاريخ، مفيد جلغوم، فقد أبصر المرحوم النور في 27 آب 1940 في المزار المدمرة، إلى الشمال الشرقي من جنين، ونال تعليمه الأساسي في كتاب القرية، ثم في مدارس جنين حتى المرحلة الثانوية، وانتسب إلى جامعة بيروت العربية، وحصل على ليسانس آداب اللغة العربية.

وأضاف لـ"الحياة الجديدة" بأن الراحل نشأ في بيئة ريفية غنية بالتراث، وعمل على حفظ الذاكرة الشعبية، وكان مرجعا للباحثين عن القرى المدمرة في جنين، بحكم طفولته المبكرة في المزار، قبل النزوح عنها.

واللافت، وفق جلغوم، فإن المرحوم السعدي نظم الشعر منذ كان في المرحلة الثانوية، وبدأ يشق طريقه في الصحف والمجلات، ولازم كتابة المقال السياسي والأدبي والاجتماعي، ودمج بين الجرأة والصراحة والطرافة. كما التصق السعدي بمقالته الأسبوعية، تحت عنوان (هدير الضمير)، في صحيفتي "النهار"و"القدس"، منذ عام 1991 بشكل منتظم.

واشتغل المرحوم معلما في التربية والتعليم منذ 1963، وحتى كانون الثاني 1995، وعمل لسنتين في جريدة "القدس"، كما افتتح مطبعة في جنين.

وقال جلغوم، إن الراحل أصدر بين 1992 و2023 عدة أعمال، أبرزها: مسرحية مؤتمر السلام، وقصيدة مطولة "الغضب الطهور في الزمن المريب"، وهدير الضمير 1، وهي مقالات نشرها في "النهار" المقدسية سنة 1991، وديوان شعر عاطفي " قناديلي عيونك" سنة 2002، وديوان شعر في الوطنيات "يا عاشقا وطنا"، وهدير الضمير 2 قبل 3 سنوات.

وأضاف: نشر السعدي الكثير من الأعمال والمخطوطات، ومنها "أقوال وأمثالمع حكماء الشعراء"، و"وطن الشهيد"، وهو عرض وتحليل وتعليق للمسرحية الشعرية للشاعر الراحل برهان الدين العبوشي، ومواقف في رحلة العمر، وعناوين بلا مضامين، ومهن سادت ثم بادت أو كادت، ومصطلحات بلا دلالات، وديوان شعر "الأحلام الميتة" الذي يحتوي على شعره قبل هزيمة حزيران 1967.

وقال الأديب والتربوي، حسان نزال لـ"الحياة الجديدة" إن شعورا بالفقد سيطر على محبي وتلامذة وأصدقاء ورفاق الأديب السعدي "أبو ساطي"، في فلسطين عموما وجنين خاصة.

وأضاف: ودعنا قامة بقيت واقفة ولم تنحن يوما، ولا تخلت عن ثوابتها وعن فلسطينها العالية، ولا فترت لها همة رغم محطات الانحناء والفتور والتراجع، وسيطرة التشظي السياسي والوطني والثقافي.

ووفق نزال، فإن رحيل الشاعر والأديب والتربوي الراحل، أو كما اضطر أن يوقع نزفه الأدبي في زاويته "هدير الضمير" بـ "واصف الشيباني"مثلت خسارة كبيرة لفلسطين، وترك فراغا من الصعب أن يشغل، وإرثا تاريخيا وأدبيا جديران بالمراجعة والتنقيح والإخراج كما يليق مكانة بالرجل الذي حرص على دوره وتواصله مع الأسرة الأدبية حتى في عز مرضه وشيخوخته.

وتابع: وصرخ الراحل ذات يوم في جنين وهو يرى الحصار الأول والجريمة التي ارتكبت بحق الشهيدين الزريقي والفرقع مطلع العقد العاشر من القرن الماضي "قومي جنين استيقظي.. قومي اشهدي عرس الزريقي واحتفال الفرقع".

ووصف نزال: مضى السعدي وهو ممتلئ بفلسطين وبعدالة قضيتها وحتمية انتصارها، ويبذر هذا الإيمان في كل القلوب التي يألفها، وعبر كل المحافل التي يرتادها، فقد كان قائدا قوي الحجة، فصيح اللسان، ثابت الجنان، الأمر الذي أكسبه الأنفة والعزة والطمأنينة والرضا، وأسبغ عليه وقار المعلم وهيبة الأديب وحضور الشاعر.

واختتم: كان حارس الثوابت، حي الذاكرة، نفتقده كأغلى ما يمكن أن نفتقد، ونودعه على عهد الوفاء لسيرته ومسيرته وفلسطينيته وعقيدته ومواقفه العليا، ففي سيرته استمرار للرواية الفلسطينية الحقة في مواجهة البدع، وتثبيت للقلوب المرتجفة وسط هذا البوار الذي يسيطر على الإقليم.

بدوره، وصف مدير وزارة الثقافة السابق في حنين، عزت أبو الرب، رحيل السعدي بخسارة فادحة لأديب استثنائي، نال عام 2017 لقب شخصية فلسطين، من وزارة الثقافة.

وقال إن الراحل كان من بواسق النخل القليلة المتبقية في جنين، وأساور عنبر تحكي عراقة المكان ونضارته، وكان يفيض بأصناف شتى من العلوم والمعارف وهموم الإنسان والمكان.

وأكمل بحزن: حرص السعدي على المشاركة في الأيام الوطنية الثقافية كلها، وكان تربويا، وشاعرا، وكاتبا، وإعلاميا، ومخلصا لجنين، ومنح الكتاب الشباب دفعة أمل وتحفيز.

وأقفل أبو الرب: خسرت جنين أحدة أعمدة أدبها وشعرها، ونستذكر أشعاره وفخره بمدينته:

جنين يا جنة الأحلام والأمل... يغفو لديك جلال الدهر والأزل

يا صفحة من كتاب الكون قد نشرت... أطرافها بين عنق السهل والجبل

يا جنة المرج يجري في خمائلها... نهر المقطع منسابا على مهل

مدينة الورد يا بنت الخيال بها ... عرائس السرو قد زفت إلى النخل

تموج رائحة الليمون عابقة... تحيي النفوس وتجلوها من العلل

هذي جنين وعين الله تحرسها... يضفي عليها الربيع رائع الحلل