عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 13 نيسان 2026

وزير السياحة والآثار لـ "الحياة الجديدة": نخوض معركة الذاكرة في مواجهة محاولات الطمس

السياحة خط الدفاع الأول عن الرواية الفلسطينية

263  موقعًا دُمّرت في غزة ونحاول حماية ما تبقى في سباق مفتوح مع الزمن والدمار

عبير البرغوثي

بينما تتراجع حركة السياحة العالمية إلى فلسطين تحت وطأة الحرب والتوترات السياسية، يبرز القطاع السياحي الفلسطيني من أكثر القطاعات ارتباطًا بالهوية الوطنية والرواية التاريخية. فالسياحة هنا لا تقتصر على كونها نشاطًا اقتصاديًا، بل تتجاوز ذلك لتكون فعلًا سياديًا، وأداةً لحماية الذاكرة، ووسيلةً لنقل قصة المكان إلى العالم.

في مدنٍ مثل بيت لحم ورام الله ونابلس والخليل، برزت خلال الأشهر الأخيرة ملامح تحوّل نحو السياحة الداخلية، كخيار اضطراري في ظل غياب السياحة الوافدة، لكنه تحوّل أيضًا إلى رافعة حقيقية أعادت الحياة جزئيًا إلى الفنادق والمطاعم والمرافق السياحية. هذا الحراك، الذي تغذّيه المناسبات الدينية والاجتماعية، يعكس قدرة الفلسطينيين على إعادة تدوير مواردهم المحدودة لمواجهة الأزمات، لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على حجم الخسارة التي مُني بها القطاع بعد تراجع آلاف السياح الأجانب، وإلغاء حجوزات لسنوات مقبلة.

غير أن التحدي لا يقف عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى معركة أكثر تعقيدًا تتعلق بالسيادة على الرواية والتاريخ. التوجهات الإسرائيلية الأخيرة، سواء عبر تشريعات في الكنيست أو من خلال توسيع صلاحيات ما تُعرف بـ“سلطة الآثار”، تعكس مسارًا متسارعًا لإعادة تشكيل المشهد الأثري والتاريخي في الضفة الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك التدخل في مواقع مصنفة ضمن مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية. وفي مدنٍ تاريخية مثل الخليل، حيث يشكّل الحرم الإبراهيمي أحد أبرز المعالم الدينية والتراثية، تتجلى هذه السياسات في إجراءات ميدانية وقانونية تمسّ بطبيعة المكان وهويته، وتثير مخاوف من إعادة تعريفه خارج سياقه التاريخي.

في المقابل، تتواصل محاولات تصنيف مواقع فلسطينية ضمن ما يُسمّى "التراث القومي اليهودي"، في خطوة يراها الفلسطينيون استهدافًا مباشرًا للسردية التاريخية، ومحاولة لإعادة كتابة الماضي بما يخدم واقعًا سياسيًا مفروضًا. وبينما يؤكد مختصون أن علم الآثار لا يمكن توظيفه لخدمة الأيديولوجيا، تبدو المعركة مفتوحة على أكثر من مستوى: ميداني، وقانوني، ورمزي.

وتتعمّق هذه الإشكاليات مع حجم الدمار الذي طال مئات المواقع الأثرية، خاصة في قطاع غزة، حيث تشير التقديرات إلى تضرر أو تدمير غالبية المواقع الثقافية، في مشهد يعكس استهدافًا ممنهجًا للموروث الحضاري، وليس فقط للبنية التحتية. كما تتقاطع هذه الخسائر مع تحديات أخرى، مثل عمليات نهب وتهريب الآثار، ومنع أعمال الترميم، ما يضع التراث الفلسطيني أمام مخاطر مركبة تهدد استمراريته.

في هذا اللقاء الذي خص به "الحياة الجديدة"، يضع وزير السياحة والآثار هاني الحايك صورة شاملة لهذا الواقع المعقّد، متناولًا جهود الوزارة في تنشيط السياحة الداخلية، ومساعيها لتسويق الرواية الفلسطينية عالميًا، إلى جانب قراءته للتوجهات الإسرائيلية الأخيرة، وانعكاساتها على الهوية والسيادة. كما يناقش أدوات المواجهة المتاحة، وحدود الرهان على القانون الدولي، والتحديات التي تنتظر هذا القطاع في السنوات المقبلة، في ظل بيئة سياسية غير مستقرة، وإمكانات مالية محدودة.

هي مقابلة تفتح الباب أمام أسئلة أكبر: هل يمكن للسياحة أن تبقى أداة مقاومة في وجه الطمس؟ وكيف يمكن حماية الذاكرة في زمن تُستهدف فيه الجغرافيا والتاريخ معًا؟

 

السياحة الداخلية.. رافعة الصمود الاقتصادي

يؤكد الوزير الحايك أن الوزارة تضع السياحة الداخلية في صدارة أولويات الوزارة في المرحلة الحالية، باعتبارها الركيزة الأساسية لإنعاش القطاع في ظل تراجع السياحة الوافدة. ويشير إلى أن التجربة الأخيرة في بيت لحم، خلال احتفالات إضاءة شجرة الميلاد، شكّلت نموذجًا واضحًا لهذا التوجه، حيث بلغ الحضور نحو 98% من الفلسطينيين، مقابل نسبة محدودة جدًا من السياح الأجانب لم تتجاوز 2%، ما انعكس على نسب إشغال مرتفعة في الفنادق والمطاعم وأعاد الحيوية الاقتصادية للمدينة على مدار نحو 20 يومًا.

ويضيف أن هذا النشاط لم يقتصر على بيت لحم، بل امتد إلى رام الله والبيرة، التي تشهد حركة نشطة في عطلات نهاية الأسبوع، إضافة إلى مدن مثل نابلس والخليل وجنين، التي سجلت حراكًا اقتصاديًا ملحوظًا خلال شهر رمضان والأعياد، مع وصول نسب إشغال الفنادق إلى نحو 80%. كما يلفت إلى أن القطاع الفندقي يشهد تطورًا ملحوظًا من حيث التأسيس والخدمات، في محاولة لمواكبة المعايير الحديثة رغم التحديات.

وفي هذا السياق، يوضح الوزير أن الوزارة تعمل بالشراكة مع الغرف التجارية والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني، ومن بينها لجنة المبادرات السياحية في نابلس، لتعزيز هذا التوجه وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، إلى جانب جهود دائرة الترويج السياحي التي تسعى لتسويق فلسطين داخليًا وخارجيًا. ويشدد في الوقت ذاته على أن تعافي القطاع بشكل كامل يبقى مرهونًا بعودة السياحة الخارجية، في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع نتيجة الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة.

 

المسارات السياحية.. أداة لنقل الرواية الفلسطينية

يوضح وزير السياحة والآثار أن المسارات السياحية والثقافية تشكّل إحدى أهم الأدوات في تسويق الرواية الفلسطينية عالميًا، إذ تعمل الوزارة على تطويرها وتعزيز حضورها في القرى والبلدات بما يتلاءم مع الواقع القائم. ويشير إلى أن الطابع الغالب للسياحة في فلسطين يبقى دينيًا، مع تركّز الحجاج في مواقع رئيسية مثل المسجد الأقصى وكنيسة المهد وكنيسة القيامة، إلى جانب أنماط أخرى تشمل السياحة البيئية والتراثية والصحراوية، والتي تعكس تنوّع الجغرافيا والثقافة الفلسطينية.

ويلفت الوزير إلى أن هذه المسارات تعرّضت لتوقف شبه كامل في الفترة الأخيرة نتيجة الحرب وتعطّل حركة الطيران عالميًا، ما أثّر بشكل مباشر على تدفّق السياح. ويضيف أن الوزارة تعمل بالتعاون مع القطاع الخاص، بما يشمل جمعيات الفنادق والأدلّاء السياحيين ومكاتب السفر، لإيجاد مخرجات تسهم في إنعاش القطاع، رغم الظروف الصعبة.

ويكشف في سياق حديثه لـ "الحياة الجديدة": أن فلسطين فقدت منذ جائحة كورونا وحتى اليوم نحو ستة آلاف سائح سنويًا كانوا يقصدون بيت لحم والقدس خلال مواسم الأعياد المسيحية، ويمكثون قرابة عشرة أيام، ما شكّل سابقًا رافعة مهمة لنسب إشغال الفنادق والحركة الاقتصادية. ويؤكد أن أهمية هذه المسارات لا تقتصر على البعد السياحي، بل تكمن في قدرتها على نقل قصة المكان، وتجسيد ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه، وتقديم صورة حقيقية لفلسطين أمام العالم.

 

التشريعات إسرائيلية.. صراع على السيادة والتراث

ويحذّر وزير السياحة والآثار من خطورة التوجهات الإسرائيلية الأخيرة، واصفًا إياها بأنها من أبرز التحديات التي تواجه القطاع، في ظل محاولات توسيع صلاحيات ما تُعرف بسلطة الآثار الإسرائيلية للتدخل في المواقع الأثرية الفلسطينية بمختلف مناطق الضفة الغربية، بما فيها المصنفة (أ) و(ب) و(ج). ويؤكد أن هذه الخطوات تمثل مساسًا مباشرًا بالمقدسات والمواقع التراثية، وتفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيدًا، تسعى الوزارة إلى مواجهته عبر تحريك الرأي العام الدولي والتصدي لهذه الإجراءات غير القانونية.

ويشير الوزير إلى أن ما جرى مؤخرًا في الخليل يشكّل نموذجًا مقلقًا، بعد منح الإدارة المدنية الإسرائيلية صلاحيات تتعلق بالتراخيص داخل البلدة القديمة، بما أتاح إجراء تغييرات في الحرم الإبراهيمي، رغم كونه موقعًا ذا قيمة دينية وتراثية عالمية يحتاج أي تعديل فيه إلى موافقات محلية ودولية. ويضيف أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا واضحًا للسيادة الفلسطينية، ما دفع الوزارة، بالتعاون مع بلدية الخليل ولجنة إعمار الخليل، إلى تقديم طعون أمام المحاكم الإسرائيلية، إلى جانب شكوى رسمية لدى اليونسكو.

ويكشف الوزير أن إسرائيل باتت تعلن بشكل صريح سعيها لفرض سيادتها على المواقع الأثرية والدينية، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز كونه إجراءات إدارية، ليصل إلى محاولة شاملة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، والتنصل من الاتفاقيات الموقعة، بما يعمّق الصراع على الهوية والتاريخ، إلى جانب الصراع القائم على الأرض.

ويرى الوزير الحايك أن طرح تعديلات قانونية من قبل شخصيات إسرائيلية مثل أميت هاليفي يعكس توجّهًا أوسع لدى إسرائيل نحو توسيع مفهوم "السيادة" ليشمل كامل الأراضي الفلسطينية، بما يترتب عليه عمليًا تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية في إدارة مواقعها الأثرية والتاريخية. ويؤكد أن هذا المسار لا يقتصر على الجانب الإداري أو القانوني، بل يحمل أبعادًا سياسية تهدف إلى إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية وتحويل دورها إلى إطار رمزي محدود الصلاحيات، بما يهدد جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.

ويضيف أن هذه السياسات تأتي ضمن رؤية أوسع تعمل على تقويض الهوية الفلسطينية ومحاولة منع قيام كيان سياسي فلسطيني فاعل، مشيرًا إلى تصريحات متكررة لقيادات إسرائيلية، من بينها بتسلئيل سموتريتش، تتبنى هذا التوجه بشكل واضح. ويعتبر أن ما يجري يضع الفلسطينيين أمام تحدٍ سياسي بالغ التعقيد في ظل حكومة إسرائيلية يصفها بالمتطرفة، تعمل على فرض وقائع جديدة تمسّ مختلف جوانب الحياة الفلسطينية.

 

صراع السرديات.. بين محاولة فرض الرواية وغياب السردية المقابلة

ويؤكد وزير السياحة والآثار أن محاولات تصنيف مواقع فلسطينية ضمن ما يُسمّى "التراث القومي اليهودي" تشكّل تهديدًا مباشرًا للرواية التاريخية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يأتي في إطار مساعٍ لفرض سردية سياسية على الجغرافيا والتاريخ، رغم غياب أساس علمي أو تاريخي متماسك لها في السياق الفلسطيني. مضيفًا أن هذه المحاولات تستهدف تعزيز ادعاءات بالملكية على الأرض، في وقت لا تستند فيه إلى معطيات أثرية أو تاريخية دقيقة، وفق تعبيره.

وفي المقابل، يلفت الوزير إلى وجود حاجة ملحّة لتعزيز السردية الفلسطينية وتطويرها بشكل مؤسسي ومنهجي، رغم ما يصفه بضعف الجهود الحالية في هذا المجال. ويؤكد أن العمل جارٍ بالتعاون مع مؤسسات وطنية وخبراء آثار فلسطينيين لبناء سردية متكاملة تعكس التاريخ الفلسطيني وتقدّمه للعالم بصورة علمية وموثقة، مشددًا على أن هذه العملية تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين.

كما يشير إلى أن ربط الآثار بالأيديولوجيا أو الدين يتعارض مع مناهج علم الآثار المعتمدة، معتبرًا أن مثل هذه التصنيفات تُخرج العلم عن سياقه الأكاديمي وتحوّله إلى أداة لترويج روايات غير دقيقة، تحمل أبعادًا سياسية وإقصائية.

 

حرب على الذاكرةواستهداف للهوية والوجود

وفي امتدادٍ لما سبق من حديث حول محاولات فرض روايات تاريخية موازية، يذهب وزير السياحة والآثار إلى القول إن ما يجري لا يقتصر على كونه صراعًا على الأرض أو المواقع الأثرية، بل هو "حرب على الهوية الفلسطينية" في جوهرها. ويؤكد أن السياسات الإسرائيلية تهدفإلى تقليص الوجود الفلسطيني إلى مجرد وجود سكاني منزوع الهوية السياسية، عبر استهداف المؤسسات السيادية ومحاولة إضعافها أو تفريغها من مضمونها.

ويضيف الوزير أن هذا المسار يترافق مع مساعٍ أوسع لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، بما يهدد وحدة الجغرافيا الفلسطينية وتماسكها السياسي، مشيرًا إلى أن هذا التوجه تصاعد منذ وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى الحكم. ورغم ذلك، يؤكد أن الفلسطينيين سيبقون متجذرين في أرضهم، وأن محاولات محو الهوية والذاكرة لن تنجح في تغيير واقع الانتماء والوجود.

 

توثيق تحت الناروحماية الذاكرة من الفقد

وفي سياق ما تم طرحه حول استهداف الهوية والرواية الفلسطينية، يشير وزير السياحة والآثار إلى أن حجم الدمار في قطاع غزة واسع وغير مسبوق، ما دفع الوزارة إلى التحرك على مسارين متوازيين: التوثيق العاجل ومحاولات الترميم الممكنة. ويؤكد أن المرحلة الأولى من العمل أسفرت عن توثيق تدمير 263 موقعًا أثريًا من أصل 316 موقعًا، تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما تتواصل المرحلة الثانية التي تشمل حصرًا شاملًا للأضرار في قطاع غزة، إلى جانب توثيق الانتهاكات في الضفة الغربية، ضمن ملف يتم تحديثه بشكل يومي.

ويضيف الحايك، في سياق متصل، أن الوزارة تعمل أيضًا على مشاريع ترميم بالتعاون مع شركاء دوليين، من بينها مشروع ترميم دير القديس هيلاريون بتمويل يبلغ نحو 14 مليون يورو، إلى جانب برامج ثقافية ومبادرات موجهة للشباب، بما يعكس استمرار الحضور المؤسسي الفلسطيني في القطاع رغم الظروف الصعبة.

كما يوضح أن عمليات التوثيق تتم عبر طواقم الوزارة في غزة، وبالتعاون مع مركز حفظ التراث في بيت لحم، إضافة إلى المؤسسة الدولية “أليف” المتخصصة برصد الأضرار خلال فترات النزاع، ما أتاح إعداد تقديرات أولية دقيقة لحجم الخسائر. ويشير إلى أن هذا الجهد يعتمد بشكل أساسي على تمويل خارجي في ظل محدودية الإمكانات المالية المحلية، مؤكدًا أن الهدف هو حماية الذاكرة المادية الفلسطينية من الضياع والتشوه.

وفي امتدادٍ لما كشفه وزير السياحة والآثار بشأن حجم الدمار وآليات التوثيق، يوضح أن التقديرات الرسمية للخسائر في التراث الثقافي الفلسطيني منذ عام 2023 تعكس مستوى غير مسبوق من الاستهداف. ويؤكد أن قطاع غزة وحده شهد تدمير 263 موقعًا أثريًا، إلى جانب عمليات نهب واسعة طالت المقدرات الثقافية الفلسطينية، شملت سرقة عدد كبير من القطع والمواد الأثرية.

ويضيف الوزير أن هذه الخسائر لا تقتصر على التدمير المادي فحسب، بل تمتد إلى عزل عشرات المواقع الأثرية وضمّ بعضها إلى المستوطنات والمعسكرات العسكرية، ما يؤدي إلى تغيير وظيفتها وسياقها التاريخي، ويشكّل تهديدًا مباشرًا للذاكرة الثقافية الفلسطينية واستمراريتها.

 

استهداف شامل.. ومحاولة لطمس الشواهد التاريخية

وفي سياق ما تم عرضه من خسائر واسعة وتوثيق متواصل للتراث الفلسطيني، يوضح وزير السياحة والآثار أن استهداف معالم مثل قصر الباشا والكنائس والمساجد التاريخية يأتي ضمن نمط أوسع من الاستهداف الذي لا يستثني أي موقع أو معلم، وفق تعبيره. ويؤكد أن هذا النهج يستغل حالة الفوضى الميدانية من أجل إحداث أكبر قدر ممكن من الضرر بالارث الفلسطيني ومحاولة محوه من الوجود.

ويضيف الوزير أن الوزارة، في مواجهة هذه التهديدات، تعمل على وضع عدد من المواقع الأثرية تحت الحماية المؤقتة بالتعاون مع منظمة اليونسكو، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، في محاولة لحماية ما تبقى من الشواهد التاريخية التي تعبّر عن الوجود الفلسطيني. ويشدد على أن الهدف من هذه الاستهدافات، وفق رؤيته، هو طمس كل ما يشهد على حق الشعب الفلسطيني في أرضه وتاريخه.

 

منع الترميم.. تهديد مباشر للهوية العمرانية الفلسطينية

وفي امتدادٍ للحديث عن استهداف المواقع الأثرية والتاريخية، يؤكد الوزير الحايك أن منع أعمال الترميم في مدن مثل الخليل والقدس ينعكس بشكل مباشر على الهوية العمرانية والتاريخية الفلسطينية، ويشكّل، وفق تعبيره، جزءًا من محاولة أوسع لتقويض الارتباط الفلسطيني بالمكان وإضعاف حضوره في المواقع الأثرية القائمة.

ويضيف الوزير أن هذه المواقع بحاجة إلى حماية دائمة من الجانب الفلسطيني أولًا، مشيرًا إلى أن الوزارة كانت قد أعدّت برنامجًا خلال شهر رمضان وعيد الفطر الماضي يهدف إلى تنشيط السياحة الداخلية وجذب الزوار إلى المواقع الأثرية، إلا أن اندلاع الحرب حال دون تنفيذ المشروع، رغم التحضير له بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).

ويشدد على أن استمرار منع الترميم والتأهيل لا يهدد فقط البنية العمرانية، بل يضعف قدرة هذه المواقع على استقبال الزوار والسياح، ما يؤدي إلى تآكل تدريجي في حضورها التاريخي والثقافي داخل المشهد الفلسطيني.

 

أدوات دبلوماسية محدودة.. ورهان على الضغط الدولي

وفي سياق ما سبق من حديث حول استهداف التراث والهوية الفلسطينية، يوضح وزير السياحة والآثار أن الأدوات المتاحة للسلطة الفلسطينية في مواجهة هذه السياسات تتركز بالأساس في العمل الدبلوماسي عبر السفارات الفلسطينية في الخارج، والتواصل المستمر مع منظمة اليونسكو والمؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث، بهدف وضعها في صورة ما يجري على الأرض. ويؤكد أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة في ظل ما يصفه بتجاهل إسرائيل للقوانين الدولية والقرارات ذات الصلة، معوّلًا على ضغط دولي أكثر جدية وفاعلية.

ويضيف الوزير أنه حتى الآن لم تُتخذ خطوات قانونية موسعة لمحاسبة إسرائيل في هذا الملف، باعتبار أن المرجعية الأساسية تبقى لدى اليونسكو، مشيرًا إلى وجود توجه للتحرك في هذا الاتجاه، لكنه مرتبط بالظروف الميدانية والسياسية التي تتطلب قدرًا من الهدوء قبل اتخاذ إجراءات أوسع.

ويختتم بالإشارة إلى أن الرهان على القانون الدولي باتضعيفًا في ظل اختلال موازين القوى، معتبرًا أن إسرائيل تتجاوز معظم القوانين والاتفاقيات الدولية، ولا تلتزم بالمنظومة القانونية التي يفترض أن تضبط حماية التراث في سياق الاحتلال، الأمر الذي يضع القضية الفلسطينية أمام تحديات مركبة على المستوى القانوني والدولي.

 

تهريب الآثار.. من الملاحقة الميدانية إلى التوعية المجتمعية

وفي إطار ما تم طرحه حول حماية التراث الفلسطيني والتحديات القانونية والدولية، يوضح وزير السياحة والآثار أن ظاهرة تهريب الآثار ليست مقتصرة على فلسطين، بل هي ظاهرة عالمية، إلا أن حجمها محليًا يتجلى من خلال قضايا يومية تتعلق بتوقيف تجار وعمليات تهريب وبيع غير مشروع للقطع الأثرية، حيث تعمل شبكات منظمة على شراء القطع بأسعار زهيدة وإعادة بيعها في أسواق خارجية بأثمان مرتفعة.

ويضيف الوزير أن الوزارة تعتمد في مواجهتها لهذه الظاهرة على التعاون المباشر مع الأجهزة الشرطية، من خلال "الشرطة السياحية" المتخصصة بمتابعة قضايا الآثار، والتي تحيل الملفات إلى النيابة العامة والمحاكم المختصة، مؤكدًا تحقيق إنجازات ملحوظة في هذا المسار.

وفي بعدٍ دولي، يشير إلى وجود تنسيق مع منظمة الإنتربول لاستعادة القطع الأثرية المهربة، إلى جانب متابعة ملفات حساسة مثل قضية مقتنيات متحف روكفلر للآثار، الذي تأسس في ثلاثينيات القرن الماضي خلال الانتداب البريطاني، حيث تم نقل جزء من مقتنياته إلى جهات غير معروفة، وهو ما تعتبره الوزارة جريمة سرقة ثقافية يتم العمل على متابعتها عبر اليونسكو.

كما يشدد الوزير على أهمية التوعية المجتمعية في مواجهة التنقيب غير الشرعي والاتجار بالآثار، موضحًا أن الوزارة تنفذ برامج توعوية مستمرة في المدارس وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، إضافة إلى تنظيم زيارات ميدانية للمواقع الأثرية، رغم التحديات الناتجة عن الحواجز والقيود المفروضة على الحركة. ويضيف أن برنامجًا وطنيًا موسعًا جرى إعداده بتوجيه من رئيس الوزراء محمد مصطفى، يستهدف المدارس ومؤسسات المجتمع المدني والأجهزة الأمنية، بهدف تعزيز الوعي بأهمية حماية التراث الوطني.

 

السياحة الفلسطينية.. بين الرواية الرقمية والقيود السياسية

ويؤكد وزير السياحة والآثار أن المسارات السياحية والدينية تشكل إحدى الأدوات المركزية في تعزيز السردية الفلسطينية، إلى جانب الحفاظ على المواقع الأثرية بوصفها شاهداً حياً على التاريخ والهوية. إلا أنه يشير إلى أن الظروف الراهنة، وفي مقدمتها محدودية التمويل، لا تزال تعيق تنفيذ مشاريع تطويرية واسعة في هذا المجال، ما يحدّ من قدرة الوزارة على استثمار هذا المسار بالشكل الأمثل.

ويضيف الوزير أن الوزارة تعمل في المقابل على تطوير أدوات رقمية وتفاعلية لنقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، من خلال إنتاج أفلام وثائقية، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة، وإطلاق متحف افتراضي يجسّد تاريخ فلسطين، إضافة إلى تطبيقات إلكترونية خاصة بالمواقع الأثرية والمناطق السياحية، بما يواكب التحول الرقمي في قطاع السياحة العالمي.

وفي ما يتعلق بآفاق تطوير القطاع، يشدد على الحاجة إلى حوافز حقيقية لتشجيع الاستثمار السياحي، وابتكار أنماط وأسواق سياحية جديدة قادرة على تجاوز القيود الحالية. ويؤكد في الوقت ذاته أن أبرز التحديات التي تواجه القطاع تتمثل في استمرار القيود السياسية والإجراءات الميدانية، إضافة إلى غياب السياحة الوافدة نتيجة الأوضاع الراهنة، لافتًا إلى أن العديد من الحجوزات المستقبلية لعامي 2026 و2027 قد أُلغيت بسبب استمرار حالة عدم الاستقرار.