عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 11 نيسان 2026

جنين تودع "نقيب" تجارها

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- ودعت جنين، أمس الجمعة، الحاج محمود صالح الحثناوي، عن 96 عاما، الذي لازم أسواق المدينة أكثر من 8 عقود.

واستردت "الحياة الجديدة" سيرة الحثناوي، التي وثقتها قبل عدة أشهر من وفاته، فقد استهل تجارته في حيفا بعمر الرابعة عشرة، ثم أقصته النكبة إلى جنين، التي عمل فيها بائعا متنقلا، حتى أصبح أكبر تجارها عمرا.

واستذكر الراحل أبو بشار، بداياته فقد عاش يتيما، وأجبرته ظروف عائلته على العمل في عمر مبكر، وانقطع على رعي الأبقار بأجر في حقول قريته زرعين، 11 كيلومترا شمال جنين، مقابل 10 ملات (المل الجزء الأصغر من الجنيه أيام الاحتلال البريطاني) على كل رأس أسبوعيا.

ووفق الحثناوي، الذي شيع جثمانه عقب صلاة الجمعة من مسجد جنين الكبير، فقد عمل بائع خبز ومثلجات وفول وترمس في شارع الناصرة بحيفا، وقرب مصفاة البترول (الريفاينري)، برفقة إخوته الثلاثة، وأقاموا في حارة الغزازوة بحي الحليصة، شرق حيفا، حتى سقوط المدينة عام 1948.

وأبصر المرحوم النور بدايات حزيران 1930، وتتلمذ على يد الشيخ أبو شريف في قريته، وكان يدفع كل نهار خميس البيض أو الخبز أو القمح لأستاذه، قبل أن ينتقل إلى المدرسة ويتعلم حتى الرابع الابتدائي.

وتوفي والده عام 1936، ثم تبتعه أمه بعد وقت قصير، ليتجرع اليتم ويبدأ رحلة حياة شاقة.

وانتقل الراحل الحثناوي وإخوته من حيفا، عقب سقوطها إلى عكا بسفينة صغيرة، لكن المدفعية لاحقتهم، وكتبت لهم النجاة برفقة عشرات النازحين، حتى وصلوا عكا، ومنها التحقوا بقافلة سيارات ومركبات طويلة أوصلتهم إلى الناصرة.

وسرد حكاية القافلة التي أخرجت المنكوبين من الناصرة برفقة دوريات للاحتلال البريطاني، وبعد وصولهم إلى العفولة تركهم الإنجليز وحدهم، ليوقفهم حاجز تفتيش للعصابات الصهيونية، التي أجبرتهم على النزول والتخلي عن كل أمتعتهم، بوضعها فوق بطانية، إلى أن تدخلت دورية تابعة لكلوب باشا (أبو حنيك)، سمحت لهم بالعودة إلى قريتهم التي تعرضت لحصار وقصف بالطائرات.

 

سيرة حافلة

وأقام الحثناوي في قباطية حتى 1952 وعمل بحراثة الأرض على رأسي بقر (عمال)، واستقر في حي جنين الشرقي، واستأجر دكانه الحالي في سوقها القديم (السيباط)، الذي استمر فيه، إلى أن أقعده المرض قبل بضعة أشهر.

ومما استذكره المرحوم، فقد كان السيباط كل صباح يتحول إلى سوق، تحضر فيه النسوة إليه بضائعهن من الألبان والأجبان والسمن البلدي والحليب والبيض، وكن يحملن ما تيسر على رؤوسهن بالجونة (سلة مصنوعة من القش)، والبقلولة (أوعية فخار صغيرة).

ورسم، قبل مماته، التغيرات التي عصفت بالتجارة خلال 80 عاما، فقد كان ينتقل بين قرى جنين البعيدة، ويضع في خرج دابته الخبز والقمح والشعير والعدس والخبز والزغاليل وغيرها، ليقايضها بسلع أخرى من النسوة، دون استخدام النقود.

وأفاد بأن بيع السمن والطحين والدبس والعجزة كان يتم بالمفرق، مثلما شاع استعمال أكياس الورق وأواني الفخار والزجاج، ولم يكن البلاستيك منتشرا.

عمل الراحل منذ عام 1952 في بيع أدوات الخيل، ومنتجات الألبان والأجبان، والزيت، والعطارة، والتجارة العامة، وحرص اليوم على تسويق سلع عفا عليها الزمن كالفوانيس التي تعمل بالكاز، والبوابير (أدوات للطهي انتشرت قبل الغازات).

وحسب الراحل، فإن وسط جنين كان بساتين وبيارات برتقال، وفي أطرافها نهر المقطع، ولم تكن هناك بنايات وسيارات إلا قليلا، كما تطوع لسنوات في رفع الأذان من المسجد الصغير.

والمرحوم أب لأربعة أبناء وثلاث بنات، رحلت إحداهن إلى الرفيق الأعلى، فيما يعمل أولاده كلهم وعدد من أحفاده في التجارة، ولأحدهم شركة لإنتاج الزيوت. وكان يحمل هاتفا غير ذكي للتعامل مع زبائنه، ولم يدخل إلى شبكة الإنترنت.

 

شاهد و"سيباط"

وحسب الحثناوي، فقد انقرضت مهنة البيطار (صانع حذوات الخيول)، وتبيض الأواني (المبيض)، والحدار (البائع المتجول)، والمطهر المتنقل، وتراجعت مهنة البراك (الطحان).

وكان المرحوم شاهدا على كثير من الأحداث والتحولات الكبيرة، أبرزها النكبة، والنكسة، والعدوان الثلاثي، وحروب الخليج، وحصار بيروت، والانتفاضات المختلفة، والعدوان الذي لازم جنين منذ سنوات.

ويعد السيباط، الذي لازمه المرحوم الحثناوي قلب البلدة القديمة لجنين، ومقام منذ الحقبة العثمانية، التي ترتبط الكثير من مبانيها بفاطمة خاتون زوجة والي دمشق، التي شيدت المسجد الكبير، فيما يقدر عمر جنين بنحو 8000 سنة.

ووفق المؤرخ الراحل مخلص محجوب الحاج حسن، فإن السيباط كلمة عربية تعني البناء الكبير المسقوف له طريقان للدخول وللخروج، وهناك سيباط القاضي في عكا، وأطلق المصطلح على السوق التجاري القديم في جنين الواقع بين حارة البلدة القديمة، وله 5 منافذ.

وقال المواطن إبراهيم جرار لـ"الحياة الجديدة" إن جنين خسرت وجها بشوشا، وتاجرا قديما، وواظب على الصلاة في المسجد الكبير.

ووصف الإعلامي تامر أبو الهيجاء، رحيل الحثناوي بالمؤسف، فيما دخلت سيرته إلى كل بيت جنيني، واجتاحت صوره، رفقة إعلانات نعيه مواقع التواصل.

وأشار إلى أن جنازته كانت مهيبة، وتوزع المشيعون على مسافة طويلة، وهو ما يعني الوفاء لأكبر تجار المدينة.