عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 نيسان 2026

سيدنا.. كان هنا!

تغريدة الصباح - حسن حميد

أقرأ في التاريخ الفلسطيني القديم، وأعود إليه دائماً، فتأخذني منه أخبار المدن والبلدات الفلسطينية إلى حد يشعرني بأنها ممالك وعواصم وليست بلدات معنية بالزراعة والتجارة وحسب، وليست، فقط، مدناً قادرة على الاستيعاب والمضايفة، فيها جل ما تحتاج إليه الحياة من المشافي، والمدارس، والساحات، والعمران وأزيد، وهو ما يجعل المرء مدهوشاً، لأنه يشعر بأن منافسة جليلة تدور بين هذه البلدات والمدن الفلسطينية من أجل الأحقية بمسمى البلدة العامرة أو المدينة العامرة، والاسم، كما هو واضح، مستل من العمران.

وقفت على تاريخ كل البلدات الفلسطينية الكبيرة، والمدن الفلسطينية التي ذاع صيتها، وانداحت شهرتها في جميع انحاء الدنيا، وكنت أظن، مثل غيري،  أن الجمال والجلال والقداسة والعمران والسحر والدهشة بادية وجلية في مدينة القدس وحدها، ولكن هذا لم يكن سوى ظن، لأن كل هذه الصفات موجودة، وبحضور عجيب، في جميع البلدات والمدن الفلسطينية.

كنت أظن أن أريحا، بلدةصحراوية، مدينة نخيل، وحر، وملح، ومدينة لأشجار الموز، ولها بحر ميت وحسب، لكن قراءة تاريخ هذه المدينة، يضع المرء في دائرة الذهول، فهي، ومن حيث الجغرافية، جسر يربط الجزيرة العربية بالبحر الأبيض المتوسط، فكل منتوجات الجزيرة العربية والعراق المعدة للتصدير تأتي إلى مدينة أريحا، وتدل على ذلك الخانقاهات الكبيرة التي هي مستودعات شاسعة للبضائع والمنتوجات والصناعات القادمة ليس من الجزيرة العربية والعراق وحسب بل القادمة من الهند أيضاً، وازدهار التجارة في أريحا، بسبب موقعها الجغرافي، جعل أهلها يعيشون حالاً منالحضارة القائمة على المثاقفة، وأبدى صورها المدارس، والمعاهد التعليمية، ودور الحرف اليدوية والصناعات الصغيرة، وإقبال الناس على تعلم الفنون جميعاً، من الموسيقى والغناء، إلى الرسم والنحت والتشكيل، إلى اللغات المعينة على التفاهم، فازدهرت الصناعات اليدوية وانتشرت شهرتها، وهي التي تعتمد على الموارد الأولية الموجودة في أريحا نفسها، من قصب، وحلفا وسعد، وبربير، وسعف النخيل، وطلاحي شجر الموز، وجلود الحيوانات، وكل هذا أدى إلى ازدهار العمران، عمران البيوت، والمشافي، والمدارس، ودور العبادة، والمؤسسات الخدمية، ومنها مراكز الثقافة والفنون والتدريب، ودور السينما. وأريحا بلد له جلاله القدسي، فهي المدينة التي فيها جبل التجربة، وجبل قرنطل، ومغتسل يوحنا المعمدان، وكلها أمكنة اكتسبت القداسة لأن سيدنا جاء إليها فاراً من أمام مطارديه الذين أرادوا قتله، وهو في طراوة العمر، وبداية التكريز لدعوته، لأنه كشف خدع الصيارفة وكذبهم ليس على الناس،بل على السماء أيضاً، تقولاً، وادعاءً، وشيطنةً.

إنّ معرفة ما جرى في جبل التجربة، وفي حجرات جبل قرنطل المحفورة في الصخور، طيلة وقت المطاردة والفرار والعزلة والاحتجاب لسيدنا، هي وحدها كافية لأن يقضي المرء وقتاً طويلاً ليقرأ ما كتبه الكهنة،والرواة، وكله مدهش، وفيه أسرار كبيرة، وإن معرفة التحولاتالتي أصابت البحر الميت، بحر أريحا، هي وحدها كافية لبعث الدهشة والعجب في النفس، أي كيف تحول ملح البحر الميت المرذول، إلى مصدر رزق للناس، وكيف تحولت المعادن النفيسة المنحلة في ماء البحر الميت وطينه إلى أدوية لا مثيل لها في عالم الكيمياء، وإن معرفة ثقافة أهل أريحا وتعاملهم مع أشجار النخيل، وتحسين جودة التمور، وزراعة الأصناف النادرة من أشجاره ،أعطى أريحا وتمورها شهرة عالمية، ومعرفة ثقافة أهل أريحا وتعاملهم مع أشجار الموز، وطريقة زراعته، وما تحتاج إليه أشجاره من أنواع التربة، ومقادير الماء ،وأصناف الأسمدة، ورعاية قطوف الموز في المخامر التي أقامها أهل أريحا، ومعرفة أوقات نضجها، وما تحتاج إليه من المواد الكيماوية، وكميات الهواء، والعتمة، والضوء، والحرارة.. كلها ثقافة أذهلت الناس في عصورها القديمة، عدا عن ذلك، إن المعرفة الوافية بأحوال المناخ في أريحا جعل الناس يعدون رزنامة للمواسم، تنادد في أهميتها ودقتها الرزنامات التي عرفتها حضارات الفراعنة والاغريق، وبابل، رزنامة تأخذ بالاعتبار الحرارة، والرياح، والتربة، والأمطار،ومعرفة طبيعة الزروع ومتطلباتها، ومعرفة طبيعة الأرض والمواسم، وما يناسبها من الزروع، بدت كما لو انها معرفة تشبه البدهيات، أو قل تشبه  معرفة الأسر والعائلات لأبنائها.

كل هذ التاريخ، والمعرفة الضافية بأهمية الموقع والمكان، جعل من أريحا بلداً تجارياً، تجتمع في ساحاته وخاناته، منتوجات زراعية،وصناعات فخمة قادمة من أبعد بلاد الشرق، ذلك لأن أهل أريحا كانوا أهل ثقافة متقدمة في معرفة أصول التجارة ، والمحاسبة، والتبادلية ما بين بضاعة وأخرى، وهذا ما أدى إلى تطور التجارة وازدهارها، وهذا ما تطلب عمراناً آخر لخانقاهات أخرى، وساحات أخرى للعرض، وتطلب أسواقاً أخرى، راح الناس يجولون فيها ويطورون، حتى غدت مواسم ومواقيت التجلي والحضور في الشتاء والصيف، وهذا ايضاً ما أغنى الحياة الاجتماعية في أريحا، فالكثير من التجار، والمرافقين لقوافل التجارة، مكثوا في أريحا، وبعضهم عاش حياته فيها، وبذلك عرفت أريحا وجوهاً عديدة من المثاقفة الاجتماعية والاختلاط، بدت من خلالها تعددية الألسن ،والسلوك، وتبادلا للكتب، والمنافسة والمناددة ما بين وجوه الحضارات المتعددة، والقادمة من أقصى الشرق، وقد شاعت في أريحا روح التسامح والقبول، والتقدير للآخر، ما دام يطلب طيب العيش، وحسن المجاورة، ويسعى إلى المزيد من التمدن، والعطاء، والثقافة الإنسانية المؤمنة بالحرية والخير والمساواة.

نعم، كل هذا موجود في أريحا، ولو أراد المرء الاستزادة، فإن بمقدوره أن يواقف ما قاله رواة العلم والتاريخ والجغرافية، وما رواه الرواة عنحياة الناس أولاً، وهي حياة واسعة ومديدة، وفيها ما يذهل حقاً، وما رواه الرواة عنالمناخ وأفعاله العجيبة من الزلازل إلى الحرائق إلى الصواعق إلى الطوفان، ونجاح أهل أريحا في التعامل مع نتائجها الصعبة والثقيلة، وكيف أبقى أهل أريحا، هذه الروح العمرانية الجميلة التي ميزت حياتهم، فكانت أريحا أكثر من واحة في منطقة مناخها صعب، وجغرافيتها صعبة، ودروبها وعرة، ولأرضها الزراعية الشروط الواجبة التوافر حتى تعطي ما يطلبه الزراع منها، وكيف أبقى أهل اريحا هذا التوق للمعارف والفنون والعلوم، وكل أشكال العمران، عبر التواصل مع ما أعطته وأخرجته الثقافات العالمية، ولاسيما في بلاد الغرب، لأن علماء الدين، والأدباء، والفنانين، في بلاد الغرب.. جاؤوا إلى أريحا طلباً للمعرفة والطمأنينة، فقرأوا، وتعلموا، وأنصتوا، ورسموا، وشاهدوا ما أذهلهم، وقد جاؤوا إلى أريحا حاملين معهم الأفكار، والأساليب، والتقنيات، والكتب، ومفصحين عن المواهب، ومعترفين بعطشهم لمعرفة أسرار هذا البلد العزيز الذي طلبه سيدنا، ووصل إليه كي تطمئن روحه بمحبة الناس، وما قاله العارفون به عنه.. الذين صدقوا قولهوآمنوا به، وأيدوا فعله وأجلوه، لهذا كتب أهل أريحا، على الصخر نقشا: سيدنا.. كان هنا، وكتبوا نقشا على الصخر أيضاً، قولته:  ربي باركني، وبارك ما أرى، وما أسمع، وما أعيش.

Hasanhamid5656@gmail.com