سيادة الانتماء على القرار .. أما التبعية فإبادة
سؤال عالماشي - موفق مطر

لم يكن ولن يكون الانتماء الوطني مجرد اسم رباعي موثق في السجل المدني، أو حيازة وثيقة رسمية (بطاقة أو جواز سفر) تحمل شعار الدولة، فكل شعب من الناس على الأرض في أقطار الدنيا عرف وأدرك المعنى الجوهري للانتماء الوطني، ورفعوا ركائز الدولة قبل ابداع الوثائق وما شابهها للتعبير عن وجود دولته كالراية الرسمية (العلم) والعملة، والجيش الواحد والأرض الموحدة تحت سلطة ونظام وقانون واحد، حتى حين لم تكن الخرائط قد أخذت مكانتها بين عامة الناس، وكذلك ما يعرف اليوم بعلامات الحدود ومعابرها الحدودية، ذلك أن الفرد منذ بداية تشكيل الجماعات البشرية، وتطورها حتى بلوغها مرحلة استكمال شروط الشعب كما طرحها الفلاسفة القدماء، وأصبحت فيما بعد نصوصا قانونية تسمى الدستور، كان على يقين أن استمرار وجوده مرتبط أساساً بالانتماء، حيث تتوفر الروابط المتينة الجامعة بين أفراد الشعب، كالعرق واللغة والعقيدة والتاريخ والتراث والتقاليد (الثقافة) والجغرافيا اللازمة للحياة (الأرض) وفوق كل هذا النظام (القانون) ثم تجلى المعنى بصيغة الانتماء الوطني كما نفهمه وتدركه الشعوب، وتمنحه جوهرا انسانيا بتحريره من التعصب والتطرف أولا، وتطهيره تماما من شوائب التبعية والعمل لتكريس قدرات بشرية ومادية لتنفيذ أوامر وتعليمات أجندات جهات خارجية أيا كان شكل كياناتها: سياسية كانت (دولة أو قوة اقليمية أو جماعة عابرة للحدود) أو أمنية ( اجهزة استخبارات) أو ثقافية (طمس أصول الهوية الوطنية الانسانية) أو اقتصادية اجتماعية (تطبيق نظريات غير قابلة للتحقق نظرا لعدم توفر شروط نجاحها)؟
فالتبعية إما أن تكون أحادية فقط، أي للوطن، أي الشعب والأرض والقانون ، وبذلك يتجلى الانتماء الوطني في فضاء المعاني الجوهرية للانسانية اللامحدود، أو ثنائية التي تعتبر بمثابة هزات أرضية مدمرة، تستمر ارتداداتها على مدى عقود إن لم تكن اكثر، فينقسم الشعب، وتنقسم الأرض، أما النظام والقانون فيهوي في أخاديد عميقة واسعة باعدت بين المواطن والآخر، ألأمر الذي يحتاج الى معجزة لخلق وقائع جديدة لإعادة الترابط عبر جسور الثقة (النظام والقانون) والإحساس فعلا بالأمان لدى مكونات الشعب وعلى مدى أرض الوطن، وهذا ما يدعى في العلوم السياسية السيادة واستقلال القرار الوطني.
لم تخترع قيادة حركة التحرر الوطنية للشعب الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية) مفهوم السيادة واستقلال القرار الوطني، وإنما منحته معنى متطورا، بما يعزز هذا الانتماء الوطني الانساني بعلاقة الشعب الفلسطيني المصيرية مع شعوب ودول أمته العربية بروابط (القومية الانسانية) وفي خط موازي، يعزز العلاقة مع شعوب ودول العالم الحضارية الانسانية ، وكان تركيز القيادة على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني بمثابة الوصفة الوقائية ، لحماية المعنى الجوهري للوطن ( فلسطين) الذي سعت الدول الاستعمارية والمنظمة الصهيونية الى شطب الشعب والكيانية السياسية التي تمثله عن خريطة الجغرافيا السياسية، الابقاء على الأرض ولكن بعد استبدال اسمها من (فلسطين) الى (اسرائيل) ما يعني كسر اضلاع (مثلث الانتماء الوطني) باحتلال واستيطان الأرض، ومنح جماعات وقوى - تكفر المؤمنين بمبدأ الوطن والانتماء الوطني وأخرى تتبنى نظريات مستوردة معلبة - اسباب الاستمرار بقوة لإحداث الشروخ والتشققات في البناء الوطني الفلسطيني القائم رغم أكثر من مئة وعشرين سنة على ابتداء المؤامرة وابتداء تنفيذها (وثيقة كامبل 1905).
لذلك طرحت القيادة ثقافة السيادة واستقلال القرار الوطني، المنبثقة عن ثقافة الانتماء الوطني (الطبيعية) لتكون ركنا من اركان العقيدة الوطنية الانسانية، التي لابد منها لضمان توازي خط: النضال والتحرر والتحرير مع خط البناء والاستقلال والسيادة، لكن عقلية التبعية التي كرستها مفاهيم الجماعات المنغلقة فكريا ووطنيا وثقافيا وإنسانيا، استطاعت – بفضل مساندة قوية وخضوع كامل لشروط المؤامرة – الحاق ضرر ودمار بقضية الحق الفلسطيني، تماما كما خططت له دوائر دولة الاحتلال والاستيطان والقوانين العنصرية (اسرائيل).
فالشعوب والدول لا تهزمها الحروب التي تشن عليها من الخارج، وإنما الجماعات والأحزاب والقوى التي تقدم الوطن بمقدراته وشعبه ومستقبله وحتى وجوده كرهن، مقابل حفنات مال، لا يساوي أعظمها حذاء طفل قضى تحت انقاض بيته في حرب اعلنتها جماعة مسلحة من اجل مصالح ذلك الأجنبي وتمدد نفوذه!.ولنا مثال فيما كان ومازال بين نظام بلاد فارس وحماس ونظرائها في "محور الخضوع والتبعية " كان ثمنه ابادة ودمار غزة !.
مواضيع ذات صلة
سيدنا.. كان هنا!
سيادة الانتماء على القرار .. أما التبعية فإبادة
تشريع الموت: أربع زوايا لقراءة قانون إعدام الأسرى
فوضى النشر في زمن الذكاء الاصطناعي... حين تتحول الحقيقة إلى ضحية
قانون "إعدام الأسرى".. مأسسة الإبادة وشرعنة الفاشية الصهيونية
قانون الصهيونية الدينية حافة الهاوية "لمملكة إسرائيل الثالثة"!!
قانون إعدام الأسرى يعدم إسرائيل الديمقراطية