عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 نيسان 2026

تشريع الموت: أربع زوايا لقراءة قانون إعدام الأسرى

حبر على جمر- لمى عواد

قانون إعدام الأسرى لا يأتي بوصفه تفصيلًا قانونيًا عابرًا، ولا كاستجابة أمنية ظرفية، بل كعلامة على تحوّل أعمق يمسّ بنية الصراع ذاتها. إنه قانون يقف عند نقطة حساسة بين العدالة والقوة، بين الردع والانتقام، وبين إدارة الحاضر ومحاولة التحكم في المستقبل. هنا، لا يعود السؤال متعلقًا بنص قانوني محدد، بل بالمنطق الذي يسمح أصلًا بأن تصبح الحياة موضوعًا للتشريع.

ما الذي يحدث عندما لا يكتفي القانون بضبط العنف، بل يبدأ في منحه شرعية؟ ماذا يعني أن تتحول العقوبة من وسيلة لتنظيم السلوك إلى أداة لإعادة تشكيل الذاكرة؟ وكيف يمكن فهم هذا التحول في عالم يتراجع فيه الأفق السياسي، وتتقدم فيه الحلول القصوى بوصفها بدائل عن التسويات الغائبة؟

هذه القراءة لا تناقش القانون في حدوده التقنية، بل تتعامل معه بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد: قانونية، رمزية، نفسية، واستراتيجية. فهي محاولة لفهم ما يكشفه هذا التشريع عن طبيعة المرحلة، أكثر مما تعنيه مواده في ذاتها.من هنا، تأتي هذه القراءة في أربع زوايا: تبدأ من سؤال العدالة، وتمرّ عبر معركة الذاكرة، وتفكك بنية الخوف، لتنتهي عند حدود الردع. ليس بهدف تقديم إجابات نهائية، بل لفتح أسئلة أكبر - أسئلة قد لا يجيب عنها القانون، لكنها تكشف ما الذي تغيّر، وما الذي لم يعد كما كان.

القراءة الأولى: تشريع الموت - كيف يعيد القانون تعريف العدالة؟

من القانون كضابط للعنف إلى القانون كأداة تمنحه الشرعية

حين لا يبدأ التحول بإطلاق النار، لا تبدأ التحولات الكبرى دائمًا بالرصاص، بل أحيانًا بتوقيع قانون. فالقوانين تعيد تشكيل القواعد التي يُفهم من خلالها العنف والعدالة معًا. وعندما يُطرح إعدام الأسرى، فنحن لا نكون أمام تعديل قانوني عابر، بل أمام إعادة رسم للحدود بين العدالة والانتقام، وبين القانون والقوة.

من العدالة إلى الردع الوجودي،

 وُجد القانون لضبط العنف، لا لمنحه شرعية. لكن إدخال الإعدام في سياق الأسرى يحوّل العدالة من ميزان قانوني إلى أداة ردع وجودي تخاطب مجتمعًا كاملًا عبر الخوف، ويفتح الباب أمام منطق العقاب الجماعي.

الأسرى بين القانون الدولي ومنطق القوة،

يتمتع الأسرى، وفق القانون الدولي الإنساني، بحماية خاصة تضمن كرامتهم وحقهم في الحياة. لكن تشريع الإعدام يعيد ترتيب هذه العلاقة، ليضع القوة فوق القانون، ويجعل الحياة نفسها موضوعًا للقرار السياسي.

عندما يصبح القانون جزءًا من المعركة،

لم يعد القانون إطارًا لتنظيم الصراع، بل أصبح أداة فيه. ومع دخول الحياة الإنسانية إلى دائرة القرار السياسي، تتآكل الحدود التي وُجد القانون لحمايتها.

من إدارة الصراع إلى تصفيته،

الأخطر هو تطبيع فكرة الموت كحل سياسي. فالإعدام لا يختصر العدالة فقط، بل يلغي إمكانيات التسوية والحوار. وهنا لا يُستهدف الأسرى وحدهم، بل تُختبر منظومة القانون الدولي بأكملها.

السؤال لم يعد: هل يمكن سنّ هذا القانون؟ بل: ماذا يبقى من العدالة عندما تصبح الحياة نفسها قابلة للتشريع؟

القراءة الثانية: معركة الذاكرة - هل يسعى القانون إلى إسكات الرواية؟

من إدارة الأجساد إلى محاولة التحكم في السردية

الأسرى كحضور يتجاوز السجن، لم يكن الأسرى مجرد معتقلين، بل تحوّلوا إلى أحد أهم مصادر السردية الوطنية. فالسجن لم يُنهِ حضورهم، بل أعاد إنتاجه عبر الكتابة والرمزية، ليصبحوا جزءًا من الوعي الجمعي.

من السجن إلى الإعدام:

تغيير وظيفة العقوبة، الإعدام لا يهدف فقط إلى إنهاء حياة الأسير، بل إلى إنهاء إمكانية تحوّله إلى شاهد. إنه انتقال من الاحتواء إلى الإلغاء، ومن الصمت المؤقت إلى الغياب النهائي.

إدارة الزمن لا إدارة الحاضر

لا يُقرأ هذا القانون كعقوبة آنية فقط، بل كأداة تتعامل مع المستقبل: تقليل عدد الشهود على التاريخ، والتأثير فيما سيتم تذكّره لاحقًا.

هل يمكن للقانون أن ينتصر على الذاكرة؟،

التجارب الإنسانية تشير إلى أن الذاكرة لا تُدار بالقوانين. فالغياب لا يمحو الروايات، بل يمنحها قوة رمزية أكبر. الأسير الحي يحمل قصة، أما الغائب فيتحول إلى رمز.

الصراع هنا لا يدور فقط على الأرض، بل في الذاكرة. والسؤال: هل يمكن للتشريع أن ينتصر في معركة الرواية؟

القراءة الثالثة: تشريع الخوف - كيف يخاطب القانون المجتمع الذي يسنّه؟

القانون كأداة طمأنة في زمن القلق الوجودي

القوانين التي تُكتب للداخل، ليست كل القوانين موجّهة للخصم. بعضها يُسنّ لطمأنه المجتمع الداخلي، خاصة في لحظات القلق وانعدام اليقين.

الإعدام كصورة للحسم

 يقدّم الإعدام وعدًا بسيطًا: نهاية واضحة ورد نهائي. وهو ما يجعله أداة نفسية تعيد إنتاج الشعور بالسيطرة، حتى لو كان ذلك مؤقتًا.

حين يكشف القانون أزمة أعمق،

القوانين التي تولد من الخوف لا تنهيه، بل تكشف غياب أفق سياسي قادر على تقديم بدائل غير القوة.

من أزمة داخلية إلى مؤشر عالمي،

طرح الإعدام لا يعكس تحولًا محليًا فقط، بل يشير إلى مرحلة دولية تتراجع فيها الحلول السياسية لصالح العقوبات القصوى.

حين تتراجع السياسة، تتقدم القوانين القاسية. لكن الأمن لا يُبنى على إنهاء الخصم، بل على وجود أفق ينهي الصراع.

القراءة الرابعة: أزمة الردع  - هل يكشف القانون حدود القوة؟

من الردع إلى الاعتراف الضمني بعدم فاعليته

متى يصبح الإعدام خيارًا؟ـ

الردع الحقيقي يعني منع الفعل قبل وقوعه. أما اللجوء إلى الإعدام، فيشير إلى أن الأدوات السابقة لم تعد كافية.

من التأثير إلى الإنهاء

 الإعدام لا يسعى لتغيير سلوك الخصم، بل لإنهائه. وهذا يعكس تحولًا عميقًا في إدارة الصراع من التأثير إلى الإلغاء.

حدود تصعيد العقوبة

رفع مستوى العقوبات لا يعني بالضرورة زيادة الفاعلية، بل قد يكشف حدود القدرة على التأثير في دوافع الخصم.

صراع على المعنى لا على الخوف

حين يتحول الصراع إلى قضية وجود ومعنى، تفقد أدوات الردع فعاليتها، ويصبح الإعدام تعبيرًا عن أزمة لا عن حل. فالقوة قد تسيطر على الأرض، لكنها لا تسيطر دائمًا على الدوافع.

قد تنجح القوانين في تصعيد العقوبة، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء الصراعات. لأن الصراعات لا تُحسم فقط بالقوة، بل بالمعنى، ولا تُدار فقط بالقانون، بل بالأفق السياسي الذي يمنحها نهاية ممكنة. ويبقى السؤال مفتوحًا:هل نحن أمام قانون يفرض واقعًا جديدًا، أم أمام لحظة تكشف حدود كل ما سبقه؟