عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 28 آذار 2026

حمزة العقرباوي.. حين تصبح الأرض ذاكرة تقاوم النسيان

مهيب البرغوثي

في ذكراه تجدد الأرض حكايتها مع من وثق روايتها وجذر الحكاية.

في كل مرة يغيب فيها صاحب حكاية، تبقى الحكاية نفسها شاهدة عليه. هكذا يبدو رحيل حمزة العقرباوي، ابن عقربا – نابلس، الذي لم يكن مجرد راو للأرض، بل واحدا من حراس ذاكرتها. رحل، لكن صوته ظل يتردد في تفاصيل الحكاية الفلسطينية، حيث تختلط الذاكرة بالمقاومة، ويصبح السرد فعل بقاء.

لم يتعامل العقرباوي مع الأرض بوصفها مساحة جغرافية صامتة، بل ككائن حي ينبض بحياة الناس. في نصوصه، كانت الأرض ذاكرة تمشي على قدمين، وتحمل في داخلها تاريخا من الحكايات الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير. بيت قديم، شجرة زيتون، أو فلاح يتمسك بأرضه رغم الخسارات؛ كلها لم تكن مجرد تفاصيل عابرة، بل مفاتيح لفهم واقع فلسطيني معقد.

في زمن تتزاحم فيه الشعارات، اختار العقرباوي طريقا مختلفا. لم يرفع صوته بالمباشر، ولم يكتب بلغة خطابية، بل ترك الحكاية تقول ما تريد. ومن داخل هذا الهدوء، كانت المقاومة تنمو. مقاومة لا تعلن نفسها، لكنها حاضرة في الإصرار على البقاء، وفي إعادة سرد الحكاية مرة بعد أخرى، وكأنها ترفض أن تنسى.

ما يميز تجربة العقرباوي هو قدرته على تحويل اليومي إلى معنى، والعادي إلى رمز. شخصياته ليست أبطالا خارقين، بل أناس عاديون: فلاحون، عمال، شبان يعيشون تفاصيل حياتهم البسيطة. لكن داخل هذه البساطة، تتشكل صورة أوسع لواقع فلسطيني تتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، والحنين مع الصمود.

كما حملت كتاباته بعدا تأمليا واضحا، حيث تميل لغته إلى الشعرية دون أن تفقد وضوحها. كان يعرف كيف يمنح الصورة عمقها، وكيف يجعل القارئ يشعر أن الأرض ليست موضوعا يكتب عنه، بل روحا تسكن النص. وهذا ما منح أعماله طابعا خاصا، يفتح باب التأمل في العلاقة المعقدة بين الإنسان ومكانه

رحل حمزة العقرباوي، لكنه ترك خلفه ما هو أبقى من الحضور الجسدي: حكاية مستمرة. حكاية تذكرنا بأن الأرض لا تروى فقط، بل تروي نفسها عبر من أحبوها وتمسكوا بها. وفي وقت تتعرض فيه الرواية الفلسطينية لمحاولات التشويه والاختزال، تزداد الحاجة إلى هذا النوع من السرد؛ السرد الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحميه من الغياب.

في النهاية، قد لا تكون الكتابة قادرة على تغيير العالم دفعة واحدة، لكنها قادرة على أن تحفظ ذاكرته. وهذا بالضبط ما فعله العقرباوي: كتب الأرض، فبقيت حاضرة.