إيماءات الحركة والثبات ــ القلق واليقين
مليحة مسلماني

يقول النفّري في "المواقف والمخاطبات": "وقال لي أنت معنى الكون كله"، وهنا، في معرض "إيماءات"، الإنسان هو الموضوع، هو المقصد والغاية وجوهر التجربة الإبداعية التي يقدمها الفنان جواد إبراهيم. إذًا ليست "الإنسانية" هنا قيد بحثٍ أو سؤالٍ لدى الفنان، بقدر ما هي شيفرة وجودية ــ بصرية تمكّن من الدخول إلى عوالم الفنان اللونية، وهي المفتاح والقفل والباب والغرفة الصغيرة المحتفظة رغم اغتراب ساكنيها، بالحميمية اللازمة للحركة والإيماء والرقص، وللحضور الثابت المتحرك، الحائر، والقَلِق والمتيقّن في آن.
للأعمال في معرض "إيماءات" بعدان بصريان منفصلان ــ متصلان، يتيحان للرائي اختبارَ تجربةٍ ذوقية استثنائية، تمتزج فيها حرية التجريد الشكلي بقصديّة التعبير عن الإنساني واللحظة الراهنة في وجدان الشخوص؛ فهناك البعد التجريدي العام، الممتد على مساحات غالبية تلك الأعمال، بطبقات لونية تتخذ الأشكالَ الهندسية لباسًا ظاهرًا، والبهجةَ الممزوجةَ بالسؤال والعناد والألم روحًا باطنة. غير أن الرموز في هندسة جواد إبراهيم التجريدية تتواطأ فيما بينها لتحتمل إحالات رمزية إلى المكان المحليّ الهوية حينًا والكونيّ أحيانًا أخرى. وفي تلك المسافة بين المحلي والكوني مقاطع بصرية تشكل قاموسًا رمزيًا للمكان الفلسطيني؛ البيت الفلسطيني التقليدي، بقبابه وتراثياته ومصفوفات قماشه، وزخارفه وأبوابه ونوافذه وسلالمه، والأزقة ما بين البيوت، وكذلك الطين الذي يميز أعمالًا اتخذت من التراب لونًا وملمسًا وروحًا، وبيت جدّ الفنان، والصورة المعلّقة على حائط البيت.
يقدم جواد إبراهيم هنا معالجة مختلفة للرموز المحلية، خارجةً عن أشكالها المألوفة والمستهلكة في التشكيل الفلسطيني، ما يؤكد القوة الكامنة في الرمز في التشكّل المتعدد والمتجدد، إن وُضع تحت اختبار معالجة تشكيلية تملك من المعرفة والحساسية البصريّتيْن ما يمكنها من استنباط هويات تشكيلية جديدة للرموز المألوفة لتنبض من جديد عبر تجسّد حيّ. ينتقل الرائي في أعمال أخرى من محليّة المكان والإنسان إلى كونيّتهما: قيلولة امرأة مع قطٍّ أسود في الفراغ، وفرح فتاة غير محددة الهوية مع تكوين يشبه الشمس في فضاء غائم، ووجوه لا تميزها هوية سوى إنسانيتها، وقمر بصحبة غراب، كلها إحالات إلى اتساع يحرر الإنسان والمكان والزمان من أَسر الحدود.
ذلك البعد التجريدي من الطبقات اللونية يلعب دور المسرح الذي يتهيأ لدخول البعد الثاني على أرضه، البُعد الفاعل، وهو هنا الشخوص الحاضرون بحيرة يفرزها قلق وجودي تخبر به الوجوه المحدّقة في الرائي، مُحمّلةً بالأسئلة، ولا تبوح بما لديها من إجابات إلا عبر معادلة سرية تربط بين متضادات الشعور: حب واغتراب في لوحة بعنوان "امرأة ورجل"، وكذا هو اغتراب العاشقيْن، وكذا هو السؤال الأزلي عن تلك العلاقة التي تجعل من الذكر والأنثى كينونةً واحدة في صيرورة متصلة ــ منفصلة. في لوحة أخرى بعنوان "احتضان" تبدو الشخوص في حالة من الالتصاق حد التماهي لا فيما بينها فقط بل مع المكان أيضًا الذي جاء بلون التراب، هنا أزمة تحيط بفعل الاحتضان، والموت هو سيد المشهد. أما اللوحة التي حملت عنوان "شهداء آب 2015"، والتي رسمها الفنان بعد اسشتهاد ثلاثة شبان فلسطينيين في آب 2015، فهي وإن كانت توثق لفعل الموت بعنوانها وبجثامين الشهداء الظاهرة فيها، إلا أنها تفصح بلا مراوغة عن فعل حياة: ألوان مشرقة ونسوة اصطففن وكأنهن في وضعية رقص، هكذا فإن المعادلة السرية التي تقبض عليها أعمال جواد إبراهيم تُصيّر فعل التشييع إلى إيماءات رقص، وفعلَ الموت إلى نبضِ حياة.
عودة إلى المسرح كفضاء تتموضع فيه الشخوص، فهو لا يأتي هنا مكمّلًا بصريًّا يعالج إشكالية فراغ، ولا يلعب فقط دور الحيّز المكاني اللازم للوجود والفعل الإنسانييْن، بل هو، بطبقاته وفيض أشكاله ورموزه، جزءٌ من الحالة الشمولية للعمل، ومسارٌ رئيس نحو فعل اكتماله؛ إن قلنا أنه المكان، فقد التصق بالشخوص والتصقت به، وصارت جوهره وشكّلتْ احتمالات تجلياته البصرية. هذا الاشتغال المتعدد الطبقات في المسافة الممكنة بين الشكل والمضمون، وبين المسرح والشخوص، يسعى إلى اكتمالٍ يطابق فيه الظاهرُ باطنَه، بل هو اشتغال يُخرِج الباطن ــ الفكرة ــ المحتوى ــ المضمون، من أسرِ الخفاء وثباته، لينعم بنور الظهور والتجسد والحركة والإيماء.
جواد إبراهيم النحّات يتدخل بلا شكّ في عالم اللوحة، فمن إنطاق الحجرِ في النحت إلى ثبات الجسد وإبراز بعض معالمه في اللوحة، ميلٌ نحو رسم المنحوت ونحت المرسوم؛ عالمان بصريّان شكّلا خبرة الفنان وأضاف كل منهما للآخر بما يلزمه، فاحتفظت اللوحة بهويتها كلوحة، لغتها الشكل واللون والخط والمضمون، وانطوت كذلك على جماليات مستقاة من فن النحت أضافت لها أبعادًا بصرية تكتمل بها هوية الفنان التشكيلية.
الجسد عند جواد إبراهيم ثابت ومتحرك، ولا يشير ثباته إلى السكون بل إلى ثقل السؤال الكامن في قلب هذا الجسد، وثقل الألم، وكذلك ثقل المعرفة وطلب المعرفة. أما حركة الجسد فتأتي عبر إيماءات تشير إما إلى تحليق أو رقص أو حياء أو حب أو رغبة، وتأتي كذلك لترسم العلاقات بين الشخوص في اللوحة الواحدة، فالشخوص، وإن بدا عليها الاغتراب والوحدة إلا أنها ما زالت قادرة على حياكةِ نسيجِ وجدانيٍّ مركّبٍ وعميق مع الآخر، لدرجة يتّحد فيها "الأنا ــ الآخر"، فيمتزج الاغتراب بالاغتراب، والوَحدة بالوَحدة، والسؤال بالسؤال، وكذا هي إيماءات جواد إبراهيم، تعبير بصري صوفيّ معرفي عن حتمية التردد المستمر بين اليقين الذي يرادف السكون والثبات، والقلق المرتبط بفعل الحركة الأزلية.
مواضيع ذات صلة