عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 آذار 2026

رسالة إلى امرأة فلسطينية لا تعرف أنها بطلة

حبر على جمر- لمى عواد

بطولة بلا ضجيج: كيف تصنع المرأة الفلسطينية قوة البقاء؟

"في زاوية مطبخها البسيط، تفرد عجينتها بصمت وصبر، بينما يطرق القلق نافذتها مع كل غارة أو خبر عاجل. تمسح عرقها بطرف ثوبها المطرز، تلتفت لصغارها بابتسامة واثقة تخفي خلفها جبالاً من التعب، وتهمس لهم: "كل شيء سيكون بخير".

هي لا ترتدي درعاً ولا تحمل سيفاً، لكنها في تلك اللحظة، تدير معركة البقاء والحب وحدها.

في الثامن من آذار، يضج العالم بالخطابات عن "المرأة"، وتُوزع الورود وتُلقى الكلمات الكبيرة عن التمكين والحقوق. لكن في فلسطين، للأمر طعمٌ آخر، وللبطولة وجهٌ لا يراه الرادار الإعلامي دائماً.

هذه الرسالة ليست للنساء للواتي تصدرن الشاشات والمنصات فحسب، بل هي إليكِ أنتِ؛ يا من تمارسين البطولة كفعل يومي داخل حياة مليئة بالتحديات. قد تظنين أن يومكِ عادي، وأن ما تفعلينه مجرد واجب، لكن الحقيقة أنكِ في كثير من الأحيان عماد الوجود وسر البقاء.

في زوايا البيوت الفلسطينية، بعيدًا عن ضجيج العناوين الكبرى، تُكتب حكاية أخرى للحياة. حكاية لا تُروى كثيرًا، لكنها حاضرة في كل بيت، وفي كل صباح يبدأ قبل أن تشرق الشمس. هناك امرأة ترتّب يومها بصمت، تعدّ الخبز، توقظ أبناءها، وتفكر في كيفية عبور يومٍ جديد في واقعٍ لا يمنح الكثير من اليقين.

ليست المرأة الفلسطينية مجرد شاهد على الأزمات المتعاقبة التي يعيشها المجتمع، بل هي في كثير من الأحيان قلبه النابض، والعنصر الذي يحفظ تماسك الحياة حين تتصدع الظروف. بين إدارة البيت، ورعاية الأطفال، ومحاولة المساهمة في الدخل، تتحرك يوميًا داخل معادلة معقدة: عبء الحياة من جهة، وقوة البقاء من جهة أخرى.

في السياق الفلسطيني، لا تبدو الحياة اليومية مسألة بسيطة. فالاقتصاد المتقلب، وندرة فرص العمل، والضغوط الاجتماعية، وتداعيات واقع الاحتلال، كلها تتقاطع لتصنع واقعًا يفرض تحديات مضاعفة على النساء. كثيرات يجدن أنفسهن مسؤولات عن إدارة أسرة كاملة بموارد محدودة، أو عن سدّ فجوة اقتصادية تركها غياب عمل مستقر أو غياب معيل.

لكن ما يلفت في هذه التجربة ليس حجم العبء فقط، بل القدرة المدهشة على تحويل الضيق إلى مساحة للفعل. ففي البيوت، وفي الأزقة الضيقة للمدن والمخيمات، وفي القرى التي تتشبث بالحياة رغم كل شيء، تنسج النساء طرقًا جديدة للاستمرار. مشروع منزلي صغير، عمل حرفي، مبادرة مجتمعية، أو حتى شبكة تضامن غير رسمية بين الجارات… كلها أشكال من الاقتصاد غير المرئي الذي تقوده النساء بصبر وإصرار.

لقد أعادت المرأة الفلسطينية، في كثير من الأحيان، تعريف دورها الاجتماعي بعيدًا عن الصور التقليدية. فهي ليست فقط حارسة البيت، بل مديرة أزمات يومية، وصانعة فرص صغيرة في بيئة لا تمنح الفرص بسهولة. وبينما تتحدث التقارير عن أرقام البطالة والفقر، تستمر النساء في ابتكار طرق للبقاء، وفي تحويل الموارد المحدودة إلى إمكانيات للحياة.

وفي غزة، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر. فهنالك، حيث تتراكم الأزمات الإنسانية والاقتصادية، تتحول أبسط تفاصيل العيش إلى اختبار دائم للقدرة على الصمود. يصبح اليوم العادي مساحة لمواجهة غير معلنة مع القلق والندرة وعدم اليقين.

في غزة، لا تُقاس البطولة باللحظات الكبيرة فقط، بل تتجسد في التفاصيل الصغيرة التي تمر غالبًا دون أن يلاحظها أحد: في إعداد وجبة بما توفر من القليل، في طمأنة طفل يستيقظ على صوت القلق، في ترتيب بيت رغم انقطاع الكهرباء أو ضيق الحال، وفي الاستمرار في العناية بالأسرة رغم التعب المتراكم.

هذه القوة ليست صاخبة، ولا تبحث عن الأضواء أو التصفيق. إنها قوة هادئة، تنمو في الصبر اليومي، وتتجسد في الاستمرار رغم كل شيء. في الإصرار على أن الحياة يجب أن تمضي، وفي الإيمان بأن الحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع هو في حد ذاته شكل عميق من أشكال المقاومة.

وربما لا تصل هذه القصص كثيرًا إلى نشرات الأخبار أو عناوين الصحف، لكنها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. هناك، في بيت بسيط، أو في مطبخ صغير، أو على طريق مدرسة مزدحم، تقف امرأة فلسطينية كل صباح لتبدأ من جديد.

تحمل عبء الحياة…

لكنها، في صمتها وصبرها، تصنع قوة البقاء.