فراولة غزة تثمر في الضفة.. شحدة زعرب يحول الغياب إلى مشروع حياة

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- من تراب بيت لاهيا شمال قطاع غزة، حمل شحدة زعرب خبرته الزراعية ورحل قبل اندلاع حرب الإبادة إلى قلقيلية. لم يكن يدرك أن الرحلة ستكون أطول مما توقع، وأن المسافة بين غزة والضفة ستتحول إلى غياب مفتوح عن العائلة، لكنه أدرك سريعا أن أرض قلقيلية يمكن أن تكون بداية جديدة.
بين بيوت البلاستيك في قلقيلية، يرعى شحدة زعرب شتلات الفراولة كما يرعى حلما مؤجلا. يزرع في الضفة.. لكنه يسقي ذاكرة غزة. وبين كل ثمرة حمراء وأخرى، يحاول أن يثبت أن الأرض، مهما تباعدت، تبقى وطنا لمن يعرف كيف يزرعها.
في غزة، كانت الفراولة عنوانا لبيت لاهيا، ورافعة اقتصادية لعدد كبير من المزارعين. هناك، تعلم زعرب أسرار "الذهب الأحمر"، من اختيار الشتلة إلى توقيت القطاف. وبعد وصوله إلى الضفة، قرر أن ينقل التجربة، رغم اختلاف الظروف وقلة الإمكانيات.
يقول زعرب لـ "الحياة الجديدة": بدأت الفكرة من تجربتنا السابقة في غزة. حاولت أن أزرع الفراولة هنا رغم صعوبة الأرض والتمويل، واعتمدت على جهدي الشخصي وبعض دعم الأصدقاء والمزارعين المحليين الذين شجعوني على الاستمرار”.
لم تكن الطريق سهلة. واجه زعرب صعوبة في توفير أرض مناسبة، واصطدم بضعف التمويل وارتفاع التكاليف. أما التحدي الأكبر فكان التسويق، في ظل هيمنة منتجات المستوطنات على السوق المحلي.
يوضح: "في البداية كان الإقبال محدودا، لكن مع الوقت بدأ المواطنون يثقون بالمنتج، خاصة عندما عرفوا أنه وطني وعضوي وخال من المواد الكيماوية".
اختار زعرب الزراعة العضوية نهجا ثابتا لمشروعه، مستبدلا الأسمدة الكيماوية بسماد الغنم الطبيعي. بالنسبة له، المسألة ليست تقنية فقط، بل خيار أخلاقي واقتصادي. "الزراعة العضوية أكثر أمانا للناس والبيئة، وتعطي محصولا نظيفا بجودة عالية"، يؤكد.
لا يرى زعرب في مشروعه مجرد نشاط اقتصادي فردي، بل مساهمة في معركة أوسع تتعلق بالاقتصاد الوطني، ويقول: "الزراعة أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، توفر فرص عمل، وتقلل الاعتماد على منتجات الاحتلال، وتدعم صمود المزارعين في أرضهم".
ويشير إلى أن كثيرا من المواطنين يشترون فراولته بدافع دعم المنتج الوطني، وهو ما اعتبره دافعا معنويا للاستمرار. "عندما يختار المستهلك المنتج الفلسطيني، فهو لا يشتري سلعة فقط، بل يدعم قصة وصمودا".
بالنسبة لشحدة، فراولة بيت لاهيا ليست مجرد محصول، بل ذاكرة وهوية، ويوضح: "تمثل لي جزءا من حياتي هناك، ورمزا للزراعة الناجحة في غزة". ويحلم أن يتوسع مشروعه يوما ما ليحمل اسما يرتبط ببيت لاهيا، حفاظا على هذه الهوية الزراعية ونقلها إلى الأجيال القادمة.
رغم الدمار الذي طال القطاع، لا يفقد زعرب الأمل بإعادة إحياء الزراعة هناك. "الأرض قادرة على العطاء إذا توفر الدعم والإرادة. المزارع الفلسطيني لديه الخبرة والرغبة في العمل" يقول زعرب.
اليوم، يعمل زعرب على أمل توسيع مشروعه ليشغل ما بين 10 إلى 15 شابا خلال السنوات المقبلة، ليكون نموذجا للزراعة العضوية الوطنية. لكنه يؤكد أن المزارع الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من الإرادة؛ يحتاج إلى تمويل حقيقي، وإرشاد زراعي، وتسويق منظم، وتشجيع مؤسساتي لشراء المنتج الوطني.
وإذا أتيحت لك فرصة العودة إلى غزة؟ يجيب: "سأنقل المشروع إلى بيت لاهيا، مع الاستمرار في الضفة أيضا. الهدف أن تنتشر هذه الزراعة في كل فلسطين".
بين غزة وقلقيلية، لا تفصل شحدة زعرب الجغرافيا عن الحلم، يعمل في الضفة، لكن قلبه معلق ببيت لاهيا.
وفي كل ثمرة فراولة يقطفها، يحاول أن يثبت أن المزارع الفلسطيني، مهما تغيرت الظروف، قادر على أن يزرع وطنه حيثما وجد.
مواضيع ذات صلة
فراولة غزة تثمر في الضفة.. شحدة زعرب يحول الغياب إلى مشروع حياة
تكية "مبرة الخير" في نابلس.. اقتصاد الرحمة في زمن الضيق
المنتجات الزراعيّة الفلسطينية محور التحريض في جلسة بالكنيست!
إلغاء جلسات المرافعات وجلسات المعتقلين الإداريين (التثبيت والاستئناف) المقررة هذا الأسبوع في محكمتي "سالم" و"عوفر"
لجنة الانتخابات تعلن تمديد فترة الترشح ليوم إضافي