عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 آذار 2026

كتب آخر قصائده بدمه!

تغريدة الصباح- حسن حميد

قليلة هي تجارب الشعراء الذين ضبطوا إيقاع قصائدهم والواقع الذي عاشوه، ذلك لأن حياة معظم الشعراء محتشدة بالتقلبات التي تعصف بها الأفكار والأمزجة المتغيرة من حال إلى حال، وكثيرا ما أدت هذه التقلبات إلى مآلات انتهت بالشعراء إلى الانتحار، والأمثلة كثيرة.

الشاعر(سيرغي يسينين/1895)، شاعر روسيا المعروف، وشاعر الفلاحين، والطبيعة، والأرياف، والصور الصافية.. هو واحد من هؤلاء الشعراء الذين عرفوا تقلبات واسعة في حياتهم التي لم تكن طويلة، تقلبات على أكثر من صعيد وجهة، ومنها التقلبات الفكرية والشعرية والعاطفية التي جعلته يعيش حالا من التضاد والتناقض في سلوكه، وفكره وقصيدته، ومزاجه، وعلاقاته الاجتماعية، وتعلقه بالمكان أو النفور منه، وحب الناس أو النفور منهم، والحنين إلى الماضي أو الانقلاب عليه، والانشداد إلى طبقة الفلاحين أو انتقادها، والإقبال على الحب أو الهروب منه، وحب الحياة أو كرهها!

تقلبات كثيرة جدا، عرفتها حياته التي لم تكن طويلة،وكأنه جاء إلى الدنيا ليؤكد أن التقلبات هي طبيعة القصيدة الحية، وأن التقلبات هي طبيعة حياة الشاعر الذي لا يرضى عن شيء أو الذي لا يطمئن إلى شيء.

ولد سيرغي يسينين سنة 1895 في بلدة ريزران، في أسرة فلاحية، والده كان يعمل وكيلا لأعمال تاجر روسي ثري في مدينة موسكو، لذلك فهو لم يعتن به كثيرا، بل لم يشرف على ترتبيته، فتركت تربيته لأمه وجده (لأمه) الذي فتح عيني الطفل على عالم التراث والحكايات والأساطير والخرافات حتى تعلق به، وغدا الجد والدا له، بل أكثر من والد، فهو المربي، والحكواتي، والصاحب له في الطبيعة، ورعي المواشي، والزيارات العائلية، والمعلم، والمغني، والنصير له في معاركاته مع أترابه، والمدافع عن سلوكه في حضرة أمه.

التحق سيرغي يسينينبدار المعلمين سنة 1912 وتخرج فيها، ثم عمل في التدريس، في المدارس الابتدائية، ثم رحل إلى مدينة موسكو، حيث يعمل والده، وهناك انتسب إلى جامعة موسكو ليدرس علوم الفلسفة والتاريخ، وقد أفادته هذه الدراسة كثيرا لأنها وسعت مداركه، وعرفته إلى عوالم الحياة والناس، وأدخلته إلى أجواء التاريخ، والتراث.

عمل سيرغي يسينين في إحدى المطابع، في مدينة موسكو، المدينة الثانية في روسيا آنذاك، بعد العاصمة بطرسبرغ، وذلك من أجل تأمين شؤون حياته، لكي يواصل دراسته في الجامعة، وفي الجامعة انخرط في تجمع أدبي للأدباء أبناء الأرياف الروسية، والذي هدف إلى إبراز وتصوير حياة الناس في الأرياف الروسية، والحديث عن جمال الطبيعة.

كتب سيرغي يسينين قصائده الأولى وهو طالب في الجامعة، وقيل إنهكتبها وهو طالب في المدرسة الثانوية، وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة، وهي قصائد تتحدث عنالعاطفة بسبب تعلقه بفتاة ريفية جميلة، وراح يوازن بين جمالها وجمال السواقي والأزاهير والينابيع والنباتات والأشجار نهارا، وجمال النجوم ،وصفاء السماء ليلا، كما كانت قصائده الأولى متعلقة بالطبيعة، وحياة أهل الريف، فقصت حكاياتهم، وصورت أحلامهم، ووقفت على شقائهم ومعاناتهم تجاه الملاك والإقطاعيين، والأمراض التي تفتك بهم، والحرمان الذي كان رفيقهم ليل نهار.

في عام 1915، وهو طالب في الجامعة، التقى سيرغي يسينين الشاعر الروسي ذائع الصيت والشهرة آنذاك ألكسندر بلوك (1880-1921) الذي كان يكبره بخمسة عشر عاما، الذي وعى موهبته فأيدها، لكن الفارق ما بين الثقافتين والتربيتين والوجهتين ما بين الاثنين (بلوك، ويسينين) كان كبيرا، فـ بلوك) ابن مدينة، و(يسينين) ابن ريف، والأول ينحدر من أسرة ثرية غنية، والثاني ينحدر من أسرة فلاحية كادحة. (بلوك) ينحدر من أسرة مثقفة، فوالده أستاذ جامعي في جامعة وارسو في بولونيا، وجده رئيس لجامعة بطرسبورغ، أما (يسينين) فينحدر من أسرة كل ثقافتها مركوزة على الحكايات والأساطير، والميثولوجيا، والأغاني الشعبية، ومع ذلك تعاطف (بلوك) مع (يسينين) وشجعه احتراما وتقديرا لموهبته الشعرية الكبيرة، وساعده على نشر قصائده في أهم الصحف والمجلات في روسيا آنذاك، بل ساعده على طباعةكتابه الشعري الأول ( يوم رحمة الأموات).

التحق سيرغي يسينين بالجيش الروسي في أثناء الحرب العالمية الأولى الأولى فعمل في وحدة طبية كممرض، وقد نظر إلى الحرب نظرة كريهة لأنها دمرت كل شيء، ولاسيما الطبيعة، وحياة الريف، وجعلت من المواسم (التي هي زينة الأرياف) حدثا باهتا لا قيمة له.

كتب (يسينين) قصائد كثيرة إدانة للحرب القذرة التي لا هدف لها سوى الاخافة والتدمير، والخراب، وقتل الأرواح والأحلام معا. وصور في قصائده الفلاحين الذين يعملون في الأرض من أجل أن يأكل الجنود، كما عاد بقصائده إلى تاريخ روسيا فاستعاد إنتاج حياة الأبطال الشعبيين الذين ثاروا في وجه الظلم نصرة للفلاحين والكادحين، ومن هؤلاء بطل (بوشكين) في روايته (ابنة الآمر)، (بوغاتشوف) الذي واجه الإقطاع مثلما واجه الغزو التتاري في القرن الثالث عشر الميلادي.

مع بداية الثورة البلشفية تعرف (يسينين) إلى لينين (1870-1924)، وتأثر به، فنظم قصائد كثيرة تمجد الثورة، وقد عرفت قصائده شهرة واسعة، حتى لقب بمؤسس الشعر الواقعي الروسي مثلما لقب غوركي (1868-1936) بمؤسس النثر الواقعي الروسي، أحب (يسينين) الثورة الاشتراكية لأنها أنصفت الفلاحين، وطورت الحياة في الأرياف، ومعذلك لم ينتسب إلى الحزب الشيوعي، وهو من قال : الثورة البلشفية هي وطني، هي أمي.

عصفت الانقلابات بحياة (يسينين) وشعره في آن، فقد انقلب على قصائده وفكره حين تبنى النزعة الشكلانية، وآمن بأن الموضوع في النص الأدبي محض غباء وجهل، والأهم هو الصورة الفنية، لكنه ما لبث أن انقلب على المدرسة الشكلانية، وعد خطابها انحرافا عن الحياة، وأن أدبها مجرد ألعاب بهلوانية، ودافع عن وجهة نظره هذه من خلال كتابه (البيئة والفن) وكره الشكلانيين وحاججهم.

تزوج (يسينين) من فنانة أمريكية راقصة ومغنية اسمها (إيسدورادونيكان) عام 1922 لكن حياتهما الزوجة أخفقت بسبب عدم التفاهم، فهما لا يتحدثان لغة مشتركة، هو لا يعرف الإنكليزية، وهي لا تعرف الروسية، فطلق أحدهما الآخر، ثم تزوج من حفيدة الكاتب الروسي الشهير تولستوي (1828-1910) واسمها صوفيا تولستوي.

وآخر تقلباته كان انتحاره سنة 1925 ، وعمره ثلاثون عاما، وكانت آخر قصائده، قصيدة كتبها بدمه، عنوانها (إلى اللقاء يا صديقي).

Hasanhamid5656@ gmail.com