سوق الزاوية.. نبض غزة الأخير في رمضان

نابلس-الحياة الجديدة-عزيزة ظاهر- مع اقتراب أذان المغرب، يتسلل ضوء شاحب بين أقمشة البسطات الممدودة في أزقة سوق الزاوية، فيمتزج صوت الباعة بنداءات الأطفال، وتتعانق رائحة التوابل مع عبق الخبز الساخن.
في وسط البلدة القديمة في مدينة غزة، يقف سوق الزاوية شاهدا على رمضان مختلف، رمضان يأتي هذا العام أيضا مثقلا بوجع الحرب الإسرائيلية، وبارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وانخفاض حاد في القدرة الشرائية، بعدما دمرت آلة الحرب معظم الأسواق الشعبية والتجارية في القطاع، ليغدو سوق الزاوية الشعبي الوجهة الوحيدة المتبقية للغزيين.
ولا يكتسب سوق الزاوية أهميته من كونه السوق الشعبي الوحيد المتبقي في غزة اليوم فحسب، بل من جذوره التاريخية الضاربة في عمق المدينة القديمة، فالسوق يقع في قلب النسيج التاريخي لمدينة غزة، بمحاذاة المسجد العمري الكبير، أحد أقدم وأهم المعالم الإسلامية في فلسطين، والذي تعود جذوره إلى عصور مبكرة قبل أن يعاد بناؤه وتوسيعه في العهدين المملوكي والعثماني، كما ويتلاصق مع سوق الذهب القديم، المعروف تاريخيا بـ "القيسارية".
تشير الروايات التاريخية إلى أن منطقة السوق الحالية تشكلت ملامحها الأساسية منذ القرون الوسطى، وتطورت عمرانيا في العهدين المملوكي والعثماني، ومنذ ذلك الحين، ظل السوق مركزا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، وتحفظ في حجارته قصص التجار والحرفيين والمتسوقين.
واليوم، وبين جدرانه التي أنهكتها الحرب، يبدو التاريخ حاضرا بقوة، كأن السوق يستمد من عمره الطويل قدرة إضافية على الصمود، مستندا إلى ذاكرة مدينة اعتادت أن تقوم من تحت الركام.
السوق الوحيد
لم يعد السوق كما كان في مواسم سابقة، مساحته تقلصت، وبعض أروقته تحولت إلى أطلال، فيما غابت محال عتيقة كانت تشكل ذاكرة المكان، ومع ذلك، بقي السوق نابضا بالحياة، ولو على استحياء، زينة رمضانية خجولة تتدلى بين الأعمدة المتصدعة، فوانيس ورقية وأشرطة ضوئية باهتة، كأنها تحاول أن تهمس للناس بأن الشهر الفضيل ما زال يحمل بركته، حتى في زمن الحرب.
يقول الحاج أبو موسى النمري، أحد أقدم تجار التمور في السوق عبر مكالمة هاتفية لـ "الحياة الجديدة": قبل الحرب، كان المواطنون يتوزعون بين أسواق عدة في غزة، من الشجاعية إلى الرمال، أما اليوم، فكل الطرق تقود إلى الزاوية، أصبحنا السوق الوحيد تقريبا بعد تدمير بقية الأسواق.
ويشير بيده إلى أطراف السوق، حيث تبدو آثار القصف واضحة على بعض المباني المجاورة. ويضيف: كنا نستقبل رمضان بزينة كبيرة، وبحركة شراء تسبق الشهر بأيام، اليوم ننتظر الزبون، ونسأل الله أن ييسر أموره.
الغلاء يبدل الملاح
تحول السوق إلى مساحة مزدحمة نسبيا مقارنة ببقية المناطق المنكوبة، لكنه ازدحام مشوب بالحذر، الناس يتجولون بحساب، يراقبون الأسعار، يسألون أكثر مما يشترون، ويفاضلون بين الاحتياجات الأساسية، في ظل غلاء معيشي أثقل كاهلهم.
ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخضراوات واللحوم بنسب متفاوتة، نتيجة شح البضائع وصعوبة إدخالها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتخزين، باتت موائد رمضان أبسط من أي وقت مضى، تقتصر على الضروريات، بعدما تراجعت القدرة الشرائية لغالبية العائلات التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب.
أم محمد الوادي، أم لخمسة أطفال، تقف أمام بسطة خضار تحمل كيسا صغيرا، تقول لـ "الحياة الجديدة" عبر الهاتف: "كنا نشتري احتياجات أسبوع كامل قبل رمضان، الآن أشتريها بيومها، الأسعار مرتفعة، وزوجي عاطل عن العمل منذ اندلاع الحرب، نحاول أن ندخل الفرح على أولادنا، لكن الإمكانيات محدودة".
زينة خجولة
رغم الخراب الذي يحيط بالسوق، لم يتخل التجار عن عادة تزيين السوق، أشرطة ملونة تتمايل فوق الرؤوس، ومكبرات صوت تبث أناشيد رمضانية بصوت خافت، وكأن السوق يحاول أن يتنفس بين الركام.
يقول ساهر البطة صاحب محل حلويات: "قررنا أن نعلق بعض الزينة، ولو كانت بسيطة، الناس بحاجة إلى شيء يخفف عنهم، صحيح أن البيع قليل، لكن مجرد وجود أجواء رمضانية يرفع المعنويات".
ويوضح أن الإقبال على الحلويات الشعبية تراجع بشكل ملحوظ، وأن كثيرا من العائلات تكتفي بكميات صغيرة، نحاول أن نراعي الظروف، ونكتفي بالربح القليل لنستمر.
بين الخسارة والصمود
التجار في سوق الزاوية يعيشون معادلة صعبة، فهم بين ارتفاع التكاليف وضعف الإقبال، يخشون الخسارة، لكنهم يتمسكون بالاستمرار حفاظا على أرزاقهم وخدمة للمواطنين.
أبو محمود الشوا، تاجر مواد تموينية، يقول: نحن أيضا متضررون، البضائع تصلنا بأسعار مرتفعة، والكهرباء غير مستقرة، والخسائر كبيرة، لكننا نحاول أن نخفف قدر الإمكان عن الزبائن، أحيانا نبيع بهامش ربح بسيط جدا.
ويضيف: لو أغلقنا محالنا، أين سيذهب الناس؟ السوق اليوم مسؤولية صمود وبقاء، ليس فقط تجارة.
رغم الحرب والغلاء، يظل سوق الزاوية مساحة لقاء، يتبادل فيها الناس التحايا والدعوات، حيث تختلط حكايات الفقد بالصبر، ويغدو التسوق طقسا إنسانيا يتجاوز الشراء إلى تثبيت معنى البقاء.
مواضيع ذات صلة
سوق الزاوية.. نبض غزة الأخير في رمضان
الاحتلال يعيد اقتحام يعبد ويوقف عشرات الشبان
الاحتلال يصدر ثمانية قرارات إبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة بالقدس المحتلة
الرئيس محمود عباس يتسلم التقرير السنوي لعام 2025 لجهاز الضابطة الجمركية
الرئيس يتسلم التقرير السنوي لهيئة التدريب العسكري
سفيرة فلسطين تطلع رئيس الوزراء العراقي على آخر المستجدات
اللواء السقا يؤكد على السلاح الشرعي الواحد والاستمرار في مكافحة أية مظاهر للفلتان