عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 22 شباط 2026

أغابكيان: معركتنا اليوم معركة مساءلة دولية لا مجرد تضامن ودبلوماسيتنا انتقلت من الدفاع للهجوم

وزيرة الخارجية والمغتربين ترسم في حوار صريح وشامل مع "الحياة الجديدة"ملامح الحراك الدبلوماسي

* القانون الدولي سلاحناوالاعتراف بالدولة مسار لا رجعة عنه

* الشرعية الدولية أداة مواجهة لا وهمًا سياسيا

*  18 سفيرة فلسطينية حول العالم: الكفاءة قبل الرمزية

أجرت الحوار: عبير البرغوثي

في لحظةٍ فارقة من تاريخ القضية الفلسطينية، حيث تتداخل حرب الإبادة مع اختبار النظام الدولي، تتقدم الدبلوماسية الفلسطينية إلى الواجهة بوصفها ساحة مواجهة موازية للميدان. في هذا الحوار الحصري، تتحدث وزيرة الخارجية والمغتربين فارسين أغابكيان عن تحولات الخطاب الفلسطيني، وأدوات الحراك القانوني، وحدود الرهان على الشرعية الدولية، كما تكشف عن رؤية الوزارة في الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، وتوظيف التحول في الرأي العام العالمي، إضافة إلى دور المرأة الفلسطينية في تشكيل قوة ناعمة مؤثرة على الساحة الدولية. حوار يتناول معركة الوجود، والمساءلة، ومستقبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية في عالم مضطرب تحكمه توازنات القوة ومخاضات العدالة.

الوزيرة أغابكيان تضع الدبلوماسية الفلسطينية في إطارها الراهن باعتبارها "دبلوماسية غير كلاسيكية" تجمع بين كونها دبلوماسية دولة تحت الاحتلال ودبلوماسية قضية عالمية. وتؤكد أن المعركة الحالية هي معركة وجود، وأن القانون الدولي والمنابر متعددة الأطراف يشكلان أدوات اشتباك أساسية في مواجهة الاحتلال، إلى جانب العمل الثنائي وبناء ملفات قانونية لتفعيل المساءلة والمحاسبة.

ترى أغابكيان أن الرهان على الشرعية الدولية لا يزال قائماً، ليس بوصفه بديلاً عن الصمود الميداني، بل كأداة تراكمية تعزل الاحتلال قانونياً وتمنع إعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته. وتشدد على أن حرب غزة أعادت فلسطين إلى صدارة الأجندة الدولية، وأن التحول في الرأي العام العالمي هو ثمرة صمود الفلسطينيين أولاً، ثم نتاج جهد دبلوماسي لترجمة هذا الصمود إلى خطاب قانوني مؤثر.

وتؤكد الوزيرة أن المسار القضائي الدولي، رغم بطئه، يشكل رادعاً متراكماً، فيما يشهد الخطاب الفلسطيني انتقالاً من طلب التضامن إلى المطالبة بالمحاسبة. كما تبرز دور المرأة الفلسطينية، ولا سيما السفيرات، كجزء من القوة الناعمة للدبلوماسية، في ظل تحديات سياسية ومالية تواجه الوزارة.

وتعبر أغابكيان عن إيمانها بأن الدبلوماسية، بأدواتها القانونية والسياسية، قادرة على الإسهام في تحقيق العدالة وإنصاف الشعب الفلسطيني، معتبرة أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين مسار متقدم لا رجعة فيه، وأن الحق الفلسطيني ثابت مهما طال الزمن.

وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته عبير البرغوثي:

 

الدبلوماسية الفلسطينية في زمن الإبادة: من الدفاع إلى الهجوم القانوني

-كيف تعرّفين اليوم الدبلوماسية الفلسطينية: هل هي دبلوماسية دولة تحت الاحتلال أم دبلوماسية قضية عالمية؟

الدبلوماسية الفلسطينية هي دبلوماسية غير كلاسيكية، انطلقت كدبلوماسية لحركة التحرر وراكمت النضال الدبلوماسي والسياسي باعتبارها قضية عالمية. فنحن دولة قائمة تحت الاحتلال ذات حقوق غير منجزة بما فيها السيطرة على الأرض الفلسطينية.

الدبلوماسية الفلسطينية تخوض اليوم معركة الحفاظ على وجود شعبنا في حرب بقائه الطويلة على ارضه، وتستفيد الدبلوماسية الفلسطينية من الأدوات القانونية المتاحة لها من اجل حماية وتحقيق الحقوق الفلسطينية، من خلال استخدام المنابر الأممية متعددة الأطراف، وفي ذات الوقت العمل على المستوى الثنائي مع الدول معتمدة على عدالة القضية الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطيني، ومبادئ الدول ووقوفها الى جانب الحق الفلسطيني.

اليوم الدبلوماسية الفلسطينية ليس مجرد حضور سياسي تقليدي بل جزء من تعبيرًا عن إرادة الشعوب الحرة بالتخلص من الاستعمار، وأداة لتحقيق المساءلة والمحاسبة.

 

بين المصالح والقيم: القانون الدولي كسلاح سياسي

- في عالم تحكمه المصالح لا القيم، ما الأدوات الواقعية التي تمتلكها الدبلوماسية الفلسطينية للتأثير؟

العالم يتغير، ولم تعد المصالح فقط هي التي تحكم العلاقات الدولية، فاعتماد الدبلوماسية الفلسطينية على القانون الدولي وادواته يجعل من مصلحة الدول ان تعمل على تنفيذ التزاماتها من خلال تنفيذ القرارات الأممية، وقرارات المحاكم الدولية، فالمبادئ تسمو على المصالح أحيانا، وخاصة في ظل حرب الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، ومشاهد الموت والدمار فقد تولد حراك شعبي دولي عزز الرأي العام لصالح القضية الفلسطينية في ظل مخزون هام من القرارات الأممية والقوانين الدولية، وقرارات المحاكم الدولية التي أنصفت نضال الشعب الفلسطيني وكان بمثابة عامل تثقيفي لكل حركات التضامن والحراكات الشبابية والجامعات التي اعتمدت عليها في رفع صوتها لصالح الحق الفلسطيني، وعليه فأن اهم ادواتنا كانت في بناء ملفات قانونية راسخة قادرة على تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة للدول والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة، وتفعيل الدبلوماسية الشعبية والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة وخصوصا الدول الكثيرة التي تربطنا بها مستقبل مشترك لإعادة الرواية الفلسطينية الصحيحة الى سياقها التاريخي والقانوني والطبيعي. بالإضافة الى أدوات الاعلام الرقمي الذي ساهم في نقل معاناة الشعب الفلسطيني والتعبير عنه.

 

الشرعية الدولية.. أداة مواجهة لا وهم سياسي

- هل ما زال الرهان على الشرعية الدولية مجديًا، أم أن النظام الدولي كشف عجزه في الحالة الفلسطينية؟

السؤال ليس ما إذا كان الرهان على الشرعية الدولية ما زال مجديًا، بل كيف نستخدمها ضمن معركة وجود مفتوحة ضد الشعب الفلسطيني.

النظام الدولي هو أداة من أدوات المواجهة، لا بديلًا عنها. فالمزارع الفلسطيني الذي يزرع الشجر والاسير الفلسطيني الصامد والشعب في غزة الرافض للتهجير من ارضه كلها أدوات مواجهة وفي سياق حرب الوجود التي يخوضها الشعب الفلسطيني، يصبح واجبًا دقّ كل الأبواب: القانونية، والدبلوماسية، والسياسية، والأخلاقية، دون أوهام، وهذه سياسة وزارة الخارجية الحالية.

استراتيجيتنا هي في عدم اعفاء الدول، والمنظمات الدولية من مسؤوليتها في مواجهة الاحتلال، ومواجهة جرائمه وتحمل هذه الجهات مسؤولياتها استنادا للقانون الدولي في رفض المعايير المزدوجة، هذه الافة التي أصيب بها المجتمع الدولية واراد ان يظهر نفسه بانه عاجز كي لا يتم تحميله مسؤوليات. ان المجتمع الدولي والنظام الدولي غير عاجز، ولكن يتم تعطيله بقوة الفيتو، وقوة الهيمنة والبلطجة عليه، فان البقاء في المنظوم الدولي، رغم اختلال موازين القوة، يبقى فعل مقاومة سياسية ودبلوماسية ويراكم العزلة القانونية للاحتلال، ويثبت أن الحق لا يسقط بالتقادم.

 

من رد الفعل إلى المبادرة: استراتيجية محاصرة الاحتلال دبلوماسياً

- إلى أي مدى استطاعت الدبلوماسية الفلسطينية الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة؟

الدبلوماسية الفلسطينية الحديثة هي دبلوماسية استراتيجية، أي دبلوماسية تضع الخطط والدراسات الاستراتيجية وتستشرف المستقبل، وعليه فإن حراكنا منذ ان عززنا المسار الدولي والحضور الدولي الفاعل من خلال عضويتنا في المنظومة الدولية ونحن نبادر في محاصرة منظومة الاستعمار الإسرائيلي من خلال استراتيجية محكمة قائمة على القانون الدولي، والدبلوماسية متعددة الاطراف التي تضع الأهداف والجداول الزمنية والحراك الذي يؤسس لمسار لا رجعة فيها لتثبيت الحقوق الفلسطينية، ومساءلة منتهكي هذه الحقوق، وهذا نقل الفعل الدبلوماسي من رد الفعل الى المبادرة النشطة، ودبلوماسية الأفعال. وهذا ما نلاحظه منذ انضمام دولة فلسطين بصفتها المراقب في الأمم المتحدة وصولا الى المنظمات الدولية والمبادرة لمحاسبة إسرائيل، والعمل على تجفيف منابع ودعم الاحتلال، ومارافق ذلك من انعقاد مؤتمرات دولية وسعت شبكة الاعتراف بالدولة الفلسطينية باعتبارها خطوة استراتيجية لا رجعة فيها لتثبيت شرعية الدولة الفلسطينية على المستوى الدولي، بالإضافة الى محاسبة الاحتلال.

 

الصمود الفلسطيني أعاد القضية إلى صدارة الأجندة الدولية

- أين تضعين فلسطين اليوم على خريطة أولويات العالم: هل تراجعت أم أعادت حرب غزة وضعها في الصدارة؟

فلسطين هي اختبار لنجاعة المنظومة الدولية، وهي القضية المركزية العربية، الإسلامية، ولعديد من الدول والجهات المبدئية والتي تعتبر ان التحرر والعدالة جزء من نضالها.

والموضوع الفلسطيني لم يختفِ يوما، لكن الاحتلال حاول طمس القضية وبمساعدة بعض اللاعبين الدوليين المهيمنين على القرار الدولي بأن يتم تأجيل البت فيها من خلال التهرب من استحقاقات تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وما تم الاتفاق عليه من اتفاقات ثنائية . ولكن بفعل صمود الشعب الفلسطيني في كافة الأرض الفلسطينية وخصوصا قطاع غزة أعادت طرح القضية الفلسطينية بقوة، وبسبب حرب الإبادة، والمعايير المزدوجة، وسياسات الاحتلال المنافية والمخالفة للقانون الدولي، والحراك السياسي والقانون والدبلوماسي، والشعبي فقد تم تعرية الاحتلال وجرائمه وكشف حقيقته الاستعمارية. ففلسطين اليوم حاضرة في النقاش وعلى الاجندة الدولية، والتحدي الاكبر هو تحويل هذا الزخم والحضور الدولي من حراك قائم على البيانات والخطابات إلى قرارات ونتائج.

حرب الاباة في غزة، وصمود أبناء شعبنا ودمهم الزكي الذي سال قد لعب دورا أساسيا الى جنب الحراك المنظم والدعم الشعبي والدولي لاعادة القضية الى مكانتها بزخم كبير.

 

- هل يمكن القول إن حرب غزة شكّلت أكبر اختبار للدبلوماسية الفلسطينية منذ عقود؟

التحدي الأكبر للدبلوماسية الفلسطينية في حرب الإبادة في قطاع غزة يكمن في منع التهجير ومقاومة محاولات الاحتلال اختزال الكارثة الإنسانية في القطاع إلى مجرد أزمة مؤقتة، وفصلها إداريًا وسياسيًا عن سياقها القانوني والتاريخي العميق في السياسة الفلسطينية. غزة اليوم ليست مجرد أزمة إنسانية، بل مرآة حية لصمود تاريخي في وجه التهجير والإبادة والتجويع، وتجسيد لإرادة شعب اعطى كل ما يملك ليبقى على ارضه بحرية و بكرامة.

 

المحاكم الدولية: مسار تراكمي أم أداة ضغط فاعلة؟

- كيف تقيّمين التفاعل مع المحاكم الدولية: هل هو مسار قانوني طويل أم أداة ضغط سياسية؟

المسار القضائي بطبيعته بطيء، فهو لا يمنح نتائج فورية على الأرض. لكن قوته تكمن في تراكم الملفات والقرارات التي تبني قاعدة قانونية صلبة تدعم الحقوق الفلسطينية،

العدالة والحرية والاستقلال ليست لحظة عابرة، بل مسار طويل يتطلب صبرًا واستراتيجية. التأثير الحقيقي يظهر تدريجيًا، حين تتحول هذه السوابق القانونية إلى أداة ضغط حقيقية على الاحتلال، وتفرض قيودًا دائمة على سلوكه، مما يرسخ مبدأ المساءلة الدولية. كما ان القضاء الدولي واللجوء له يشكل رادعا للجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني.

 

 الرأي العام الغربي.. هل سبق حكوماته؟

- هل ترين أن الخطاب الفلسطيني وصل إلى الرأي العام الغربي، حتى لو لم يصل إلى حكوماته؟

لكل حكومة في العالم الغربي موقفها الخاص، فبعضها له مواقف تاريخية وداعمة للشعب الفلسطيني. اسم فلسطين وصل اليوم إلى كل منزل ومكان في هذا العالم. وتلاشت الحدود الجغرافية في الغرب والشرق في مطلب وقف جرائم الاحتلال البشعة.

في الوقت نفسه، يشهد الرأي العام الدولي وعيًا متزايدًا بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية فحسب، بل قضية حقوقية وقانونية وأخلاقية. هذا الوعي يشكل وعدًا بمستقبل سيتم عاجلا ام اجلا تحويل الفهم الجماهيري إلى دعم مركزي للحقوق الفلسطينية، وبناء ضغط دولي مستمر لصالح العدالة والحق. وهذا الوعي مستند الى مخزون قانوني حافظت الدبلوماسية الفلسطينية على تغذيته ليكون في متناول الحكومات، وحركات التضامن، وكل الطامحين لسماع الرواية الصادقة للشعب الفلسطيني.

 

- نلاحظ تحولًا لافتًا في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين، هل هذا التحول نتاج عمل دبلوماسي أم نتيجة فظاعة المشهد في غزة؟

هذا التحول في الرأي العام العالمي هو بالدرجة الأولى نتيجة صمود الشعب الفلسطيني وصبره وتحمله تحت القصف الذي يعادل اضعاف مضاعفة من القنابل النووية وفي الخيام في قطاع غزة وصمود الشعب الفلسطيني في القرى امام إرهاب المستوطنين، وصمود الاسرى البواسل، وإيمان شعبنا الراسخ بحقوقه وثباته على أرضه، قبل أن يكون نتيجة الجهود الدبلوماسية. الدبلوماسية الفلسطينية تقوم بترجمة هذا الصمود إلى لغة عالمية وقانونية مؤثرة، لتوصل الصورة الحقيقية للقضية الفلسطينية وتفرضها على الساحة الدولية، سواء من منظور حقوقي أو قانوني أو أخلاقي.

 

من التضامن إلى المساءلة: تحوّل الخطاب الفلسطيني

- هل هناك استراتيجية فلسطينية للتعامل مع الجامعات، النقابات، الإعلام، والحركات الشعبية حول العالم؟

رغم عفوية الحراك الشعبي وحراك حركات التضامن، والجامعات وتحرك الشارع العالمي في وجهة حرب الإبادة، ونحن نريد لهذه الحركات ان تكون صادق وعفوية لان ما حركها هو بشاعة الجرائم والدم الفلسطيني الذي سال امام شاشات التلفزة، وبسبب حفاظنا على صدق روايتنا، واتساقها مع القانون الدولي والعدالة والمبادئ. الا انه نعم، هناك استراتيجية فلسطينية واضحة للتواصل مع الجامعات، والنقابات، والإعلام، والحركات الشعبية حول العالم. سواء على مستوى السفارات أو في المقر، نعمل مع الجهات التي تُظهر دعمها للشعب الفلسطيني، لأن لها قدرة متزايدة على التأثير في السياسات العامة وصياغة الرأي العام. الهدف من هذا التواصل ليس مجرد حملات تضامن عابرة، بل بناء معرفة مستدامة بالقضية الفلسطينية، وتعزيز فهمها القانوني والحقوقي والأخلاقي. هذه المساحات تشكل ساحة تأثير حقيقية، وتغيير الخطاب فيها يُعد شرطًا أساسيًا لأي تحول سياسي لاحق. في عالم اليوم، لم يعد بالإمكان تجاهل هذه القوة المجتمعية والفكرية.

 

- هل بات الرأي العام أحيانًا أكثر تقدمًا من حكوماته في فهم القضية الفلسطينية؟

الرأي العام يتأثر بالقضايا العادلة وليس دائمًا بالمصالح الضيقة، ومن هنا يصبح الرأي العالمي جزءًا لا يتجزأ من معركتنا. إنه يشكل قاعدة ضغط مجتمعية وأخلاقية يمكن أن تمهد الطريق لتغيير السياسات الرسمية، ويؤكد أن دعم الحقوق الفلسطينية ليس مسألة ترف أخلاقي، بل استجابة للعدالة والقانون الدولي.

اليوم صورة الفلسطيني أصبحت واضحة لمعظم شعوب العالم، شعب قائم تحت احتلال، له حق تاريخي وقانوني وقضية عادلة.

 

- كيف توظفون هذا التعاطف الشعبي في مواجهة الجمود السياسي الرسمي؟

نحاول تحويل التعاطف إلى ضغط مؤسسي، عبر الحكومات والبرلمانات، والهيئات القانونية، والمنظمات الدولية والمحلية والرأي العام المنظم في الدول. الهدف هو خلق كلفة سياسية باهظة للاحتلال تتناسب مع وحشية جرائمه المتطرفة لردعه عن استكمال مشروع إبادة وتهجير وتجويع الشعب الفلسطيني

التعاطف يصبح فعالًا حين يتحول إلى مطالب واضحة ومستمرة. دون ذلك يبقى محدود الأثر.

- وجود 18 سفيرة فلسطينية حول العالم رقم لافت، هل هو خيار رمزي أم نتاج كفاءة وتراكم مهني؟

هذا الرقم يعكس مسارًا مهنيًا قائمًا على الكفاءة لا الرمزية. النساء الفلسطينيات في العمل الدبلوماسي وصلن إلى مواقعهن عبر تجربة طويلة في ظروف معقدة. وجودهن ليس رسالة شكلية، بل نتيجة طبيعية لبناء مؤسسي وتطوير مستمر. الأداء والكفاءة هو المعيار الأساسي.

 

القوة الناعمة: السفيرات الفلسطينيات في الواجهة الدولية

- هل يعبّر هذا الحضور النسوي عن سياسة ممنهجة داخل وزارة الخارجية أم تطور طبيعي؟

بداية، المرأة الفلسطينية موجودة في خط الدفاع الأول: في المستشفيات كطبيبات، في سجون الاحتلال، في الخيام، في مقدمة الصف الوطني، وفي السفارات. لقد عانت المرأة الفلسطينية وتحمّلت قسوة الاحتلال وظروف الحياة الصعبة، واليوم باتت قادرة على حمل رسالة شعبها ومعاناته، ونقلها بطريقة متوازنة وقوية ومؤثرة.

الحضور النسوي في وزارة الخارجية ليس مجرد خيار سياسي، بل هو متطلب أساسي لخدمة القضية الفلسطينية. نحن دولة تحارب من أجل حقوق شعبها، وتمكين المرأة في الدبلوماسية يعكس قدرة الدولة على التعبير عن المجتمع الفلسطيني بكل فئاته، ويعزز مصداقيتها وكفاءتها في مواجهة التحديات القانونية والسياسية والدبلوماسية على الساحة الدولية.

 

- كيف أثّر وجود السفيرات في إيصال الرواية الفلسطينية، خاصة في المجتمعات الغربية؟

ساهم وجود السفيرات في نقل الصورة الحقيقية عن المجتمع الفلسطيني، بحكم ان المرأة منذ بداية القضية الفلسطينية كانت ولا تزال في خط الدفاع الأول عن حقوق شعبنا. التأثير لم يكن عاطفيًا فقط، بل مبني على تجربة ويعكس مؤشر إيجابي عن الشعب الفلسطيني مما يجعل الخطاب الفلسطيني أكثر مصداقية وفاعلية على المستوى الدولي.

 

- هل واجهت الدبلوماسيات الفلسطينيات تحديات مضاعفة بحكم السياق السياسي والجندري؟

أي تحديات تواجه السفيرات الفلسطينيات، سواء نتيجة السياق السياسي المعقد أو الاعتبارات الجندرية، تتحول إلى حافز للمضي قدمًا. هذه التحديات تعزز القدرة على الابتكار في العمل الدبلوماسي، وتؤكد أن التمثيل النسوي ليس رمزيا، بل جزء أساسي من قوة الدبلوماسية الفلسطينية في نقل الرواية الحقيقية للشعب الفلسطيني على الساحة الدولية.

 

- هل يمكن اعتبار المرأة الفلسطينية اليوم جزءًا من القوة الناعمة للدبلوماسية الفلسطينية؟

المرأة الفلسطينية اليوم تمثل جزءًا من القوة الناعمة والصلبة في الدبلوماسية الفلسطينية. السفيرات الفلسطينيات، اللواتي يمثلن أمًا وأختًا لشعب يُقتل ويُذبح، يجسدن نموذجًا للصبر والريادة، ويتركن بصمة قوية في نقل الرواية الفلسطينية وإظهار صمود شعبنا على الساحة الدولية

 

وزارة الخارجية تحت الحصار.. إدارة المعركة من الداخل

- ما أبرز التحديات التي تواجه وزارة الخارجية اليوم: سياسية أم إدارية أم مالية؟

وزارة الخارجية هي جزء أساسي من الحكومة الفلسطينية، التي يستهدفها الاحتلال بكل أشكال الحصار والقوة والقيود، السياسية منها والاقتصادية والإدارية. هذا الواقع يجعل عمل الوزارة تحديًا مستمرًا، لكنها تظل حجر الزاوية في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتمثيله دوليًا، والحفاظ على حضوره السياسي رغم كل محاولات التضييق والإضعاف.

 

بين التوجيه المركزي وهامش الاجتهاد في السفارات

- كيف تصفين العلاقة بين الوزارة والسفارات: توجيه مركزي أم مساحة للاجتهاد؟

العلاقة بين الوزارة والسفارات تقوم على توجيه مركزي يضمن وحدة الخطاب والسياسة الفلسطينية ، مع وجود مساحة للاجتهاد يسمح للسفارات بالتكيف مع خصوصية السياق المحلي لكل بلد، واتخاذ المبادرات التي تعزز تأثير الدبلوماسية الفلسطينية على المستوى الدولي، الدبلوماسي/ الدبلوماسية، بطبيعة الحال، هم منفذين للسياسة الخارجية وليس صانعي سياسة، فالاجتهاد في استخدام المهارات الدبوماسية من اجل الوصول الى الهدف، وتنفيذ السياسة بشكل فعال.

 

- هل تمتلك السفارات الفلسطينية هامش حركة كافيًا للتفاعل مع خصوصية كل دولة؟

نعم، ضمن إطار واضح يحدد الثوابت السياسية. السفارات تتحرك وفق ظروف كل دولة، لكنها تلتزم بخطاب موحد. هذا يسمح بالتكيف دون التفريط بالموقف. الهامش موجود لكنه منضبط.

 

- كيف يتم تقييم أداء السفراء والسفيرات؟ وهل هناك آليات محاسبة واضحة؟

التقييم يعتمد على معايير مهنية تشمل مستوى التأثير، إدارة العلاقات، والمبادرة السياسية. الأداء يُقاس بالنتائج لا بالحضور الشكلي.

 

- الرسالة التي تريد الدبلوماسية الفلسطينية إيصالها اليوم للعالم؟

الدبلوماسية الفلسطينية تحول المعاناة إلى صوت الى أصحاب القرار في العالم، والصوت إلى قانون، والقانون إلى مسؤولية دولية، والمسؤولية إلى حق واضح مؤكد لا يُمكن تجاوزه. فهي ليست مجرد كلمات أو بيانات تضامن، بل إصرار على تطبيق العدالة وحماية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني."

نحن شعب تحت الاحتلال، لكن إرادتنا للحرية ثابتة، وحقنا في تجسيد دولتنا المستقلة ليس حلماً، بل قدر تاريخي نعمل على تجسيده بكل الوسائل المشروعة والدبلوماسية الحازمة.

 

- كيف تغيّر الخطاب الفلسطيني من طلب التضامن إلى المطالبة بالمساءلة؟

التضامن مفهوم واسع يشمل الدعم القانوني والمعنوي والإنساني والسياسي، لكنه وحده لا يكفي لحماية الحقوق أو تحقيق العدالة. اليوم، محاسبة الاحتلال لم تعد مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل أصبحت مطالب شعوب العالم وقيم القانون الدولي نفسها." كما ان المساءلة والمحاسبة، واستخدام قواعد القانون الدولي أضحت استراتيجية فلسطينية تقودها الدبلوماسية للوصول الى العدالة والانصاف لشعبنا على طريق انهاء الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي.

 

الاعتراف بالدولة الفلسطينية: مسار يتقدم رغم التعقيدات

- كيف ترين مستقبل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين في ظل الواقع الحالي؟

الاعتراف الدولي احد ادواتنا الاستراتيجية وهو إقرارٌ بحقنا التاريخي والدستوري والقانوني في دولتنا المستقلة. إنه مسار العدالة الذي يسجله التاريخ، ويعكس التزام المجتمع الدولي بالقانون والحق. الدولة الفلسطينية حق ثابت، والاعتراف الدولي هو إعلان لهذا الحق الذي لا يُمحى، والمستقبل واضح: تزايد الاعترافات يرسخ هذا الحق ويؤكد أن العدالة ستنتصر.

 

الدبلوماسية بعد حرب غزة.. اختبار التاريخ والعدالة

- بعد كل ما جرى في غزة، هل ما زلتِ تؤمنين بأن الدبلوماسية قادرة على إنصاف الفلسطينيين؟

التاريخ سينصف الشعب الفلسطيني مهما طال الزمن،كل احتلال ظنّ أنه أبدي، وكل إرادة وصمود أثبتت أنه مؤقت. والدبلوماسية بادواتها المختلفة بما فيها أداة القانون قادرة بلا شك على تحقيق العدالة والإنصاف، وجبر الضرر للشعب الفلسطيني.  

 

- لو أُتيحت لك جملة واحدة فقط لتخاطبي بها العالم، ماذا تقولين؟

حتمًا سأقول: جرائم الإبادة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني هي أكبر خطأ أخلاقي، وتاريخي، وقانوني في العصر الحديث. ولذلك فان كل موقف دولي واجراء قانوني وتضامن شعبي مع الشعب الفلسطيني هو خطوة على طريق تصحيح هذا الخطأ، وفرصة لإيقاف الإبادة وتشكل نموذجا مهما كان صغيرا سيقود العالم نحو عالم أفضل يحكمه العدل والقانون الدولي.

الحق في الحياة هو حق غير قابل للتصرف وعلى العالم عدم استثناء الشعب الفلسطيني من ممارسة هذا الحق.