نيكاراغوا- فلسطين .. إنسانية الحرية والسلام
سؤال عالماشي - موفق مطر

دفعت الإمبريالية الاستعمارية "المتوحشة" شعوبا كثيرة في العالم إلى بلوغ أعلى درجات الوعي بمعاني الحرية والوطنية، وتبني مبدأ العروة الوثقى التي تشد جذور الأمة الإنسانية، ما جعلها المستحيل بعينه، الذي عجزت أعاصير المستعمر الإمبريالي عن اجتثاثها، أو تسميم أو تكسير جذوعها وفروعها، رغم استخدامه صنوف الأسلحة النارية، وتوظيف الخيانة والرغبات الجامحة للاستيلاء والاستحواذ على السلطة لدى فاقدي الانتماء الوطني بقوة السلاح وسفك الدماء.
أما السلاح الأمضى الذي استخدموه وظنوا بقدرتهم على شطب مقومات الشخصية الوطنية والإنسانية للشعوب المستهدفة، وإحلال مفاهيم خادمة لمشاريعهم الاستعمارية عبر اختراق أعمدتها الثقافية تمهيدا لتحويلها إلى تجمعات آلية تدور وفقا لبرنامجها وبما يحقق مكاسبها، بعد افتراضها التمكن من تجريد الشعوب من مقوماتها وسماتها الإنسانية، وتاجها الإيمان بالحرية، التي خلقت مع أبناء آدم على الأرض، حرية لا يمن بها إنسان على آخر، ولا يمكن لآدمي احتكارها أو ادعاء ملكيتها الحصرية، فيوزعها كيفما شاء وعلى من يشاء! فأسلحة المستعمر الإمبريالي، أو الإمبريالي المستعمر تدمر صخور البازلت حتى لو كانت جبالاً، لكنها تنكسر في المواجهات التاريخية مع الشعوب المؤمنة بالحرية ذلك أنها سر وجودها بحاضرها وماضيها ومستقبلها.. فكل شعوب الأرض مثل شعبنا ناضلت وكافحت، وأطلقت ثورات، وحركات تحرر وطنية، وصارت في أيامها رموزا عالمية، كحركة تحررنا الوطنية الفلسطينية التي اعتبرت أم حركات التحرر لدورها العظيم في تجسيد معنى إسناد نضال الشعوب العابر للمحيطات نحو قارات الأرض من أجل تجسيد عقيدة الحرية والازدهار والسلام.
ونستحضر في هذا المقام كلمات سفير جمهورية نيكاراغوا في فلسطين السيد غادييل آرسي مايرينا عن الثورة الساندينية الشعبية التي أطلقها الثائر (أوغوستو سيزار ساندينو) 1927 واستمرت حتى 1933، عندما تحدث عن "عقيدة عسكرية إمبريالية للتدمير هدفها القضاء على بيئة وثقافة" و"الغزو" و"المآسي" و"الازدراء" و"الإرهاب" بحق شعب نيكاراغوا النبيل، وربط ذلك الذي حدث في بلاده قبل حوالي 99 سنة بما حدث للشعب الفلسطيني ويحدث، ليس منذ 78 سنة تاريخ النكبة وحسب، بل منذ أول غزو استعماري واستيطاني لأرض وطنه فلسطين، حيث لمست منه مباشرة أثناء حديثه عن الثورة الساندينية ومواقف بلاده المساندة لفلسطين، وإشارته إلى رد الجميل لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية، ودولة فلسطين التي جسدت معنى العلاقات الجذرية بين الشعوب المناضلة ضد الاستعمار الإمبريالي والاستيطاني، والعلامات المشتركة ما بين نضال الشعبين الفلسطيني والنيكاراغوي وإسناد قيادة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية لنيكاراغوا في كل مناحي الحياة العسكرية والطبية الصحية، والخبرات الفنية.
ويتحدث السفير-بحضور شخصيات وطنية فلسطينية - بلغة سهلة لكنها بليغة، وبإحساس إنساني ومفاهيمي عميق عن رموز الثورتين: ساندينو النيكاراغوي، الذي صادف يوم أمس 21 شباط ذكرى انتقاله إلى الخلود الأبدي، وياسر عرفات (أبو عمار) القائد الفلسطيني الشهيد، وإذا دققنا بالأوصاف التي أطلقت على (ساندينو) سنجد تشابها مع ما قيل في رمز الثورة الفلسطينية المعاصرة (أبو عمار) حيث تكمن في كليهما "عظمة الروح الوطنية عدالة النضال الوطني" فالبرت أينشتاين لقب ساندينو بالجنرال الكوني، ووصفته الكاتبة التشيلية غابرييلا ميستر بأنه صاحب "الجيش الصغير المجنون" ... ويذهب السفير غادييل إلى حد تعزيز الأمل بحتمية انتصار الشعوب المناضلة من أجل الاستقلال والحرية والسلام، وتأكيد الوعي المطلق لدى هذه الشعوب بأن" الإيمان بإشراقة النصر والازدهار والسلام" - كما تحدث وكتب- قائم على مبدأ "استحالة الاستسلام" وهذا ما نسميه بلغتنا العربية الفلسطينية التمسك بالحق التاريخي والطبيعي لشعبنا في أرض وطنه، وبالثوابت الوطنية، وباستقلالية القرار الوطني، فالمبادئ والأهداف ليست مخترعة، وإنما جذر إنساني، لا تدركه بصيرة المستعمر الذي أعمت بصره المفاهيم العنصرية والفوقية، واعتماده منهج الغدر وتوظيف الخونة لترسيخ نفوذه وسيطرته فساندينو ثائر نيكاراغوا الذي قاد حرب عصابات ضد مشاة البحرية الأميركية الغزاة حينها، أعدم غدرا على يد الدكتاتور أناستاسيو سوموزا غارسيا، بعد استدراجه واعتقاله رغم توقيع اتفاقية سلام! وهذا يذكرنا بما حدث للقائد الرئيس ياسر عرفات، الذي اغتاله المستعمرون العنصريون أدوات الاستعمار الإمبريالي في إسرائيل، رغم اتفاق أوسلو مع حكومة دولة الاحتلال إسرائيل، وحصوله على جائزة نوبل للسلام.