الضابطة الجمركية... تنظيم السوق قبل اتساع الاستهلاك
توفبق العيسى*

شهر رمضان لا يدخل البيوت فقط، لكنه يدخل الأسواق أيضا، هناك حيث تتغير الوجوه بتغير المزاج والذوق، وتتسع السلال، وتزداد الحركة بين الرفوف، كل شيء يبدو أقرب إلى اليد، وأقرب إلى الشراء.
في هذا الازدحام الهادئ يظهر سؤال قديم، من يحرس الطريق بين ما نشتريه وما نأكله؟
من هنا يمكن فهم قيمة الدور الذي تقوم به الضابطة الجمركية الفلسطينية، ليس كجهاز ضبط فحسب، بل كعين اقتصادية تقف عند باب السوق.
في إطار متابعة الأخبار المنشورة عن عملها في الشهور الماضية تكشف صورة متكررة، تتجلى بضبط سلع فاسدة، وإتلاف مواد غذائية غير صالحة، ومصادرة بضائع مهربة، وملاحقة شبكات تتاجر خارج القانون. قد يمر الخبر سريعا في الصفحة لتكرار الحدث، لكنه بطيء الأثر في حياة الناس.
وظيفة الضابطة هنا لا تبدأ من الحاجز ولا تنتهي في المستودع، بل تمتد إلى فكرة العدالة في السوق نفسها. حين تدخل البضائع المهربة، فهي لا توفر سعرا فقط، بل تصنع خللا، فالتاجر الملتزم يصبح أقل قدرة على المنافسة، والمنتج المحلي يخسر مساحة، والمستهلك يظن أنه ربح، بينما هو يغامر بالجودة وبالسلامة، لذلك يبدو الضبط الجمركي كأنه ميزان خفي يعاد ضبطه كل يوم دون ضجيج.
ثم إن حماية المستهلك ليست فكرة تجميلية بقدر ما هي ممارسة ميدانية يومية تعمل على فحص، وتتبع، ومصادرة، وإحالة للقضاء.
وبرسم صورة ما فإننا نجد أن المواد الغذائية الفاسدة لا تعلن نفسها، والبضاعة الرديئة لا ترفع لافتة تحذير، فهناك من يجب أن يكتشف ذلك قبل أن تصل إلى المائدة، والأخبار التي تتحدث عن إغلاق مخازن غير مرخصة أو ضبط شحنات تالفة تقول ببساطة إن هناك من يقوم بالعمل غير المرئي كي تبقى النتيجة مرئية.
أما مسألة بضائع المستوطنات، فهي تتقاطع بين الاقتصاد والوعي العام. دخولها عبر التهريب لا يعني فقط خرقا قانونيا، بل تشويشا على معرفة المصدر وعلى حق المستهلك في الاختيار. ضبطها ليس شعارا سياسيا بقدر ما هو تنظيم للسوق وتأكيد شفافية المنشأ، فالسوق الواضح أفضل من السوق الغامض، حتى بلغة الأرقام وحدها.
ولا يقتصر معنى الضبط على ما يُعرض فوق الرفوف، فهو يمتد إلى ما يجري في الأنابيب والأسلاك أيضا. فالسوق ليس مواد غذائية فقط، وإنما منظومة موارد إن اختل توزيعها اختل ميزان الحياة اليومية. في مدينة الخليل، حيث تتجدد أزمة المياه في الشتاء والصيف، وحيث يتقاطع النقص الطبيعي مع سحب المياه لصالح المستوطنين، تتحول التعديات على شبكات المياه والكهرباء إلى فجوة إضافية في العدالة. إغلاق نقاط توزيع المياه غير القانونية، وضبط سرقات الكهرباء، يأتي في سياق إعادة الانضباط إلى مورد عام يتقاسمه الناس. الأموال التي كانت تتبدد في مسارات غير مشروعة عادت إلى الخزينة، والنظام الذي كان مثقلا بالاستنزاف استعاد جزءا من توازنه. فحماية السوق تبدأ أحيانا من حماية ما يغذيه ويضمن استمراره.
وهذا الجهد يتحرك ضمن خطة حكومية واضحة تتقاطع فيها أدوار مؤسسات عدة، وتساندها الأجهزة الأمنية بصفتها السلطة التنفيذية التي تضمن تطبيق القانون وحمايته. وبهذا المعنى يصبح عمل الضابطة جزءا من سياسة عامة متكاملة، شبكة مترابطة تضبط الإيقاع، وتقلل الفاقد، وتعيد ترتيب المجال العام، خاصة في أوقات يشتد فيها الضغط وتتعاظم الحاجة إلى نظام يمكن الوثوق به.
من زاوية اجتماعية هادئة يمكن القول إن السوق إن ترك وحده يميل دائما إلى الفوضى الصغيرة. كل طرف يحاول أن يربح خطوة إضافية، وأن يختصر طريقا، وأن يخفف كلفة. هنا يأتي دور الجهة التي تقول، قف. تحقق. أثبت. وهذا ما يجعل عمل الضابطة جزءا من بنية الاقتصاد اليومي، لا مجرد ذراع تنفيذية عابرة.
ومع المواسم التي يرتفع فيها الاستهلاك، ومنها رمضان، تتضح الحاجة أكثر، لا بوصف الموسم مشكلة، بل بوصفه اختبارا للرقابة. كثرة البضائع تحتاج كثرة فحص، وكثرة العروض تحتاج تدقيقا أكبر. هكذا تتصل البداية بالنهاية، موسم يزيد فيه الشراء، وجهة تزيد فيه الحراسة، وسوق يمكن الوثوق به أكثر مما نظن.
---------
* المستشار الإعلامي للمفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي