عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 شباط 2026

على عتبة الهلال.. الناس "تحاكم" بريق العروض

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- مع اقتراب هلال رمضان، لا تتبدل الأسواق من حيث الازدحام فحسب، بل من حيث القلق أيضا، فبين رفوف تتلألأ بعروض براقة، وبين أيد تمتد لتملأ سلالها بما يلزم موائد الإفطار، يتسرب سؤال خافت: هل كل ما هو شهي صالح للأكل، سؤال مرده إلى إعلانات متتالية للضابطة الجمركية والأجهزة المختصة عن ضبط مواد فاسدة وغير صالحة للاستهلام الآدمي.

الجهات المختصة التي تعمل بشكل مكثف لضمان أسواق آمنة للمواطنين تحرص على الإعلان عن عمليات الضبط بالأرقام والأصناف، لتكون عين المواطن على الأسواق.

ومن عمليات الضبط الكبيرة تمكن جهازا الضابطة الجمركية والأمن الوقائي الأسبوع الماضي من ضبط 46 طنا من الطحين والسميد غير صالح للاستهلاك الآدمي في أحد المخازن في محافظة نابلس.

وتبين انتهاء تاريخ الصلاحية وظهور علامات الفساد على الطحين والسميد واتضح أنه كان يتم تزوير المنتج والتلاعب بتواريخ انتهاء الصلاحية تمهيدا لإعادة طرحها في الأسواق.

وبحضور جهات الاختصاص في وزارة الصحة والاقتصاد الوطني أقرت التحفظ على المضبوطات وإحالة القضية لنيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية لاستكمال الإجراءات القانونية أصولا.

عمليات الضبط هذه التي تبعث الثقة في نفوس المواطنين بأن هناك من يتابع الأسواق بشكل مكثف بالتأكيد تجعل أيضا المواطن أكثر حذرا في التعامل مع المنتجات التي يشتريها وإعادة التفكير في الكثير من العروض التي تطرح في الأسواق وربطها بمنطق السعر الأصلي للسلعة.

في السوق الشرقي في مدينة نابلس حيث تختلط رائحة الزعتر بصوت الباعة، يقف أبو العبد، تاجر مواد تموينية منذ ثلاثة عقود، وقد خط الشيب على رأسه خريطة أعوام من المواسم، يقول وهو يعيد ترتيب أكياس التمر "رمضان شهر بركة، لكنه أيضا موسم امتحان للضمير، نحن نجهز العروض، نعم، لكن ليس على حساب صحة الناس، وما يعلن عن ضبط بضائع فاسدة يؤذينا جميعا، لأن الخطأ الفردي يشوه صورة السوق بأكمله في كل السوق الفلسطيني.

يشير بيده إلى ثلاجة الألبان خلفه، ويضيف بصوت يخالطه الأسى "الجهات المختصة تقوم بواجبها، ونحن نرحب بالرقابة دائما والتاجر النظيف لا يخاف التفتيش، بل يخاف أن يساوى بمن لا يخاف الله في رزق الناس".

غير بعيد عنه، كانت أم محمد نصر تملأ عربة التسوق بعبوات العصير والسكر والزيت. تتوقف لحظة أمام عرض مغر كتب عليه فقط 20 شيقلا بدلا من 35 وتقول "لم نعد نطمئن بسهولة، كل اعلان عن ضبط بضاعة فاسدة يجعلنا نعيد النظر في كل سلعة، نحن لا نبحث عن الأرخص فقط، بل عن الأمن، صحة أولادنا ليست عرضا ترويجيا"

وتضيف "أحيانا تكون هناك عروض حقيقية، لكن في أحيان أخرى يحتاج العرض لإعادة النظر فيه".

وتتابع "رمضان ليس شهر المجازفة، هو شهر الطمأنينة، نريد أن نشتري ونحن مطمئنون، لا ونحن نحمل شكا في قلوبنا"

وفي المحال، كان الشاب علاء يزين رفوفه استعدادا لموسم ينتظره التجار كما ينتظر الصائم أذان المغرب قائلا "المنافسة في رمضان كبيرة بعضهم يغري الناس بالسعر، وبعضهم بالجودة. نحن اخترنا أن نغريهم بالثقة التي اعتادوا عليها والسعر المناسب مع مربح قليل، نحن نعرض تاريخ الإنتاج بوضوح".

يصمت لحظة، ثم يبتسم: "الربح الحقيقي أن يعود الزبون مرة أخرى وهو يثق بك، أما الربح السريع، فيموت قبل أن يبرد الزيت في المقلاة.

يقول أحد أصحاب السوبرماركت، مفضلا عدم ذكر اسمه "المشكلة ليست في الرقابة بالعكس بل هي مطلوبة، بل المشكلة في من يستغل الموسم لتمرير ما لا يمرر، رمضان يضاعف الاستهلاك، وبعض النفوس تضعف أمام الإغراء، لكن السوق في النهاية يلفظ من يسيء إليه".

في ظل ما تكشفه الجهات المختصة من ضبط متكرر لبضائع فاسدة في الاسواق، تتعالى أصوات تطالب المجتمع بألا يكتفي بدور المتفرج.

الناشط جهاد تكروري، دعا عبر صفحته على فيسبوك، إلى عدم التصفيق للفاسد أو منحه هالة القدوة لمجرد تضخم ثروته، مؤكدا أن المال لا يمنح صاحبه صكا بالبراءة ولا يجعله من صفوة المجتمع إذا كان قد جمعه على حساب وجع الناس وصحتهم.

وأشار إلى أن الاجهزة الأمنية وجهات الاختصاص تقوم بواجبها في الملاحقة والتحويل للقضاء وفق القوانين المتاحة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ من وعي المجتمع، من قرار المقاطعة، ومن رفض دعم من يعبث بصحة الأطفال والعائلات.

وشدد على أن المقاطعة ليست شعارا عاطفيا بل موقف أخلاقي، وأن الصمت عن الفاسد شراكة ضمنية معه، داعيا المواطنين إلى رفع الصوت، وجعل هذه القضايا رأيا عاما، والإبلاغ عن كل من يتلاعب بصحة الناس، باعتبار إن حماية المجتمع مسؤولية جماعية لا تحتمل الحياد.

في المساء، حين تخفت ضوضاء النهار، تبقى الاسواق معلقة بين رجاءين، رجاء التاجر في موسم كريم، ورجاء المواطن في مائدة آمنة، وبينهما تقف الجهات المختصة، تعلن بين حين واخر عن ضبط جديد، كانها تذكر الجميع بان بركة الشهر لا تستقيم مع غش أو اهمال.