براء عماد تكتب حكاية فلسطين من الميكروفون إلى العالم
حين يتحول الصوت إلى وطنٍ يُحكى

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- ليس الصوت مجرد نبرةٍ تُبث عبر الأثير، بل ذاكرةٌ حيّة قادرة على حمل الحلم والوجع معاً. هكذا تبدو تجربة الإعلامية الفلسطينية براء عماد، المذيعة في إذاعة "صوت فلسطين"، التي تحوّل ترشحها لجائزة “Voice Arts Awards” العالمية لعام 2026 إلى قصة تتجاوز حدود الإنجاز الشخصي نحو حكاية صوتٍ فلسطيني يسعى للعبور إلى العالم، متحدياً القيود الجغرافية ومؤمناً بأن الحنجرة قادرة على أن تكون وطناً متنقلاً ورسالة إنسانية لا تُقمع.
لم تكن رحلة براء عماد نحو الترشح العالمي صدفةً عابرة، بل امتداداً لمسارٍ بدأ منذ طفولتها، حين كانت تستمع إلى برامج "صوت فلسطين" وتحلم بأن تصبح جزءًا من تلك المدرسة الإعلامية التي شكّلت وعيها اللغوي والثقافي. اليوم، وبعد سنواتٍ من الدراسة والعمل، أصبحت خريجة إعلام جديد من جامعة القدس المفتوحة، وحاصلة على ماجستير في العلاقات العامة من الجامعة العربية الأمريكية، ومذيعةً تُراهن على قوة الصوت باعتباره أداة تأثير وسرد تتجاوز حدود الجغرافيا.
تقول براء لـ "الحياة الجديدة": إن خامة الصوت وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى صقلٍ دائم، لأن عالم الأداء الصوتي واسعٌ ومتجدد، يكتشف فيه الإعلامي نقاط قوته وضعفه مع كل تجربة جديدة.
هذا الإيمان بالتطوير المستمر رافق مسيرتها المهنية منذ البدايات، حيث عملت على التدرب في الإذاعات المحلية، مستفيدةً من خبرات أساتذة كبار داخل "صوت فلسطين"، التي تصفها بالمدرسة المهنية الحقيقية. ومع كل محطة، كانت تضيف طبقةً جديدة إلى تجربتها، ما مكّنها من الانتقال بين طبقات الصوت وتلوين الأداء بأساليب مختلفة، وهي مهارات ساعدتها في التقدم نحو المسابقات الدولية.
لم يكن ترشح براء الحالي الأول، فقد شاركت سابقاً في دورة 2024 ضمن فئة البرومو الترويجي بعملٍ حمل عنوان "القدس عاصمة دولة فلسطين"، وقدّمت خلاله جولةً صوتية تعريفية بحارات المدينة وأسواقها ومعالمها التاريخية والدينية. أما في دورة 2026، فاختارت الترشح ضمن فئتين: البرومو الترويجي بعملٍ عن "خريف صلالة" في سلطنة عُمان، وفئة الإلقاء والخطابة من خلال قصيدة "جفا وده" للشاعر العباسي بشار بن برد، ما يعكس انتقالها من تجربة واحدة إلى حضورٍ أكثر تنوعاً وثقةً في قدراتها الصوتية.
تؤمن براء -كما تقول في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة"- أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن ممكناً دون المثابرة والعمل المتواصل، إلى جانب الدعم العائلي والمهني. وتعتبر أن مجرد ترشح صوتٍ فلسطيني لمسابقة عالمية يثبت قدرة الإعلاميين الفلسطينيين على المنافسة الدولية، ويؤكد أن الأداء الصوتي ليس مجرد مهارة تقنية، بل وسيلة للتعبير عن الهوية والثقافة. وقد حرصت خلال ترشحها على الظهور بالكوفية الفلسطينية، كما سبق أن ارتدت الثوب الفلسطيني في مشاركات سابقة، تعبيراً عن حضور الهوية الوطنية في كل محطة من مسيرتها.

ورغم التحديات التي واجهتها، ومنها منعها من الحصول على تأشيرة سفر للمشاركة في حفل التتويج في لوس أنجلوس، إلا أنها ترى أن الصوت قادر على اختراق الحدود، وأن الحضور الحقيقي لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالرسالة. وتضيف أن لجان التحكيم الدولية تعتمد معايير دقيقة في اختيار المرشحين، ما يعزز ثقتها بأن هويتها المهنية وصقلها المستمر للأداء كانا عاملين حاسمين في لفت الانتباه.
في تجربة براء، لا تنفصل المهنية عن المسؤولية الأخلاقية، إذ ترى أن صوت الإعلامي يجب أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم، وأن العمل الإعلامي يحمل بُعداً إنسانياً قبل أن يكون وظيفة. هذا الفهم دفعها لإطلاق مبادرة "هذه قصتي"، وهي مشروع تطوعي اعتمد السرد الإنساني لتوثيق معاناة أهالي قطاع غزة عبر قصص مصوّرة بصوتها وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مستهدفةً إيصال الرسائل الإنسانية إلى جمهور عالمي، خصوصاً الأطفال، عبر قالبٍ بصري مبسط وترجمةٍ إنجليزية تضمن انتشار المحتوى.
أنجزت براء نحو 28 قصة ضمن المبادرة، واجهت خلالها تحدياتٍ تقنية ونفسية، أبرزها صعوبة العثور على داعمين تقنيين قبل أن يتبنى الفكرة فريقٌ إنتاجي فلسطيني، إلى جانب تأثيرها العاطفي العميق أثناء كتابة القصص وتسجيلها. لكنها ترى أن السرد الإنساني يمنح الأرقام روحاً ويعيد إحياء الضمير العالمي، خاصةً في ظل اعتياد الجمهور على مشاهد الحرب.
تؤكد براء أن الإعلام الصوتي ليس مظلومًا مقارنة بالصورة، بل يمتلك سحرًا خاصًّا يجذب المستمعين ويمنحهم فرصة رسم الصور الذهنية بأنفسهم. وترى أن التحديات التي تواجه الإعلاميات العربيات في مجال الأداء الصوتي ترتبط بندرة فرص التدريب والتطوير، ما يفرض على الإعلامي أن يكون مدرب نفسه وأن يبحث عن فرص التعلم المستمر.
وعن المستقبل، تعتبر براء أن الترشيح العالمي يمثل نقطة تحول في مسيرتها، وتطمح لأن تصبح مدربة ومحكّمة دولية في مجال الأداء الصوتي، وأن توظف صوتها لخدمة القضايا الإنسانية والدبلوماسية وحقوق الإنسان.
أما رسالتها للشابات الفلسطينيات، فتتمثل في الإيمان بالقدرة على النجاح مهما كانت التخصصات، لأن كل نجاح فردي يمكن أن يحمل صوت القضية إلى العالم.
في نهاية الحكاية، تقول براء إن حلمها الأكبر ليس جائزةً أو لقباً، بل اللحظة التي تُذيع فيها خبرًا تاريخيًّا عن تحرير فلسطين. وبين الميكروفون والأثير، تواصل رحلتها مؤمنةً بأن الصوت، حين يحمل الصدق والهوية، يصبح أكثر من مجرد أداة إعلامية، بل قصة وطن تُروى للعالم.
مواضيع ذات صلة
تهديدات بيئية خطيرة تلاحق وادي نهر المُقطع
براء عماد تكتب حكاية فلسطين من الميكروفون إلى العالم
"أعلم أنك تسمعني" للمخرج الفلسطيني يوسف الصالحي يختتم مهرجان بانوراما في تونس
قوات الاحتلال تحول منزلا في بلدة عزون إلى ثكنة عسكرية
البرلمان الهولندي يُلزم الحكومة بخفض واردات الأسلحة الإسرائيلية
الاحتلال يقتحم المغير شرق رام الله