الطفولة ذراع استعمارية.. قراءة في هندسة العنف
لمى عواد

لا يبدو العنف الاستيطاني في الضفة الفلسطينية حدثًا عشوائيًا أو انفلاتًا سلوكيًا لفئات هامشية، بقدر ما يتكشف يومًا بعد يوم كمنظومة مدروسة لتوزيع الأدوار، حيث تُسند المهام "القذرة" لمن يُفترض أنهم خارج دائرة المساءلة. في هذا السياق، يصبح الأطفال واليافعون في الجانب الاسرائيلي جزءًا من آلة التهجير، لا بوصفهم ضحايا فقط، بل كأدوات فاعلة في ممارسة العنف، تحت غطاء اجتماعي وأيديولوجي يجرّد الطفولة من معناها الإنساني.
المقال المنشور في القدس العربي تحت عنوان "حتى الأخصائيون الاجتماعيون فهموا اللعبة" لا يسلّط الضوء فقط على ممارسات المستوطنين، بل يكشف عن بنية أعمق: بنية دولة تعيد تعريف مفاهيم الحماية، والرعاية، والمسؤولية المهنية، بما يخدم مشروعها الاستيطاني طويل الأمد. الأخطر هنا ليس فقط ما يفعله المستوطنون، بل ما لا يفعله من يفترض أنهم حراس القيم الاجتماعية، وعلى رأسهم الأخصائيون الاجتماعيون والمؤسسات المعنية بحماية الطفولة.
في أي سياق طبيعي، تُعد الطفولة مساحة محمية قانونيًا وأخلاقيًا. لكن في سياق الاحتلال، يجري تفريغ هذا المفهوم من محتواه، وإعادة توظيفه سياسيًا. الأطفال المستوطنون لا يُنظر إليهم كأفراد بحاجة إلى حماية من العنف، بل كـ"رأسمال أيديولوجي" يُستثمر في فرض وقائع جديدة على الأرض، الاعتداء على المزارعين، تخويف التجمعات الفلسطينية، والمشاركة في طقوس العنف اليومي.
الصمت، أو التواطؤ المهني، للأخصائيين الاجتماعيين الاسرائيليين في هذا السياق لا يمكن قراءته كإخفاق فردي أو تقصير إداري. نحن أمام انزياح خطير في وظيفة المهن الإنسانية، حيث تُعلّق المعايير الأخلاقية عندما تتعارض مع السردية القومية أو المشروع الاستعماري. حين يفقد الأخصائي الاجتماعي قدرته أو رغبته في التدخل لحماية الطفل من التورط في العنف، فإنه لا يخذل الطفل وحده، بل ينسف الأساس الأخلاقي لمهنته.
ما يجري هنا هو إعادة إنتاج للعنف عبر الأجيال. فالطفل الذي يُدرّب على الاعتداء اليوم، يُعاد إنتاجه كمستعمر غدًا، ليس فقط بالسلاح، بل بالوعي المشوّه الذي يرى في الآخر تهديدًا دائمًا، وفي العنف وسيلة مشروعة للوجود. بهذا المعنى، لا يكون الاستيطان مشروعًا جغرافيًا فحسب، بل مشروعًا تربويًا اجتماعيًا .
في المقابل، يُدفع الطفل الفلسطيني إلى الضفة الأخرى من المعادلة: إما ضحية مباشرة للعنف، أو هدفًا له. المفارقة القاسية أن الطفولة تُستباح في الحالتين، لكن الخطاب الدولي، والمؤسسات الحقوقية الغربية، تميل إلى رؤية واحدة فقط، تُجرّد العنف من سياقه البنيوي، وتعيد إنتاج سردية "الصراع" بدل تسمية الأشياء بأسمائها: استعمار، إحلال، ونزع إنسانية ممنهج.
إن الخطوره تكمن فيما يفرض من أسئلة أخلاقية وسياسية، كيف يمكن لمنظومة تدّعي الديمقراطية أن تسمح بتحويل الأطفال إلى أدوات عنف؟ وأين تقف المهن الإنسانية عندما يُطلب منها أن تصمت، أو أن تبرّر، أو أن تنسحب؟
في النهاية، ليست القضية قضية أطفال مستوطنين "منفلتين"، بل دولة تُحسن توزيع الأدوار، وتعرف كيف تُدير العنف بوجوه بريئة. وحين نفهم ذلك، ندرك أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على المعنى، وعلى مستقبل يُراد له أن يُبنى بالعنف، ويُورَّث كقيمة.