عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 كانون الثاني 2026

غزة.. بين تثبيت الحكم وانهيار شروط الحياة

بقلم: د. حكمت نبيل المصري *

لم تعد المأساة في قطاع غزة مجرّد نتيجة مباشرة للحرب والدمار، بل باتت تعبيرًا عن أزمة مركّبة تتداخل فيها عوامل الاحتلال، والحصار، وانسداد الأفق السياسي، وطبيعة إدارة الحكم في لحظة انهيار شامل. ففي الوقت الذي يرزح فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين تحت وطأة الجوع، ويعيشون في خيام لا تحميهم من برد الشتاء ولا من مياه الأمطار، تنشغل حركة حماس بإعادة ترتيب وضعها السياسي والأمني، في مسعى واضح لتثبيت أركان حكمها في القطاع، وكأن أولوية السلطة ما زالت تتقدّم على أولوية الإنسان.

المشهد الإنساني اليوم في غزة يتجاوز توصيف الكارثة الطارئة. فالخيام التي تحوّلت إلى مساكن دائمة، والمياه التي تغمرها مع كل منخفض جوي، ليست فقط رمزًا للفشل الإنساني الدولي، بل أيضًا مؤشرًا على هشاشة البنية الاجتماعية التي أُنهكت عبر سنوات من الحصار والحروب المتكررة. الجوع لم يعد حدثًا استثنائيًا مرتبطًا بمرحلة معينة، بل أصبح حالة بنيوية أكلت من أعمار الناس، وأضعفت قدرتهم على الصمود، وحوّلت البقاء إلى معركة يومية بلا أفق.

في هذا السياق، يبرز سؤال الأولويات السياسية بقوة. فبدل فتح نقاش داخلي جاد حول كلفة الخيارات السابقة ونتائجها على المجتمع، يجري التركيز على إعادة إنتاج منظومة الحكم القائمة، وإعادة ضبط أدوات السيطرة والإدارة، تحت عنوان "المرحلة القادمة". هذا المنطق، القائم على تثبيت النفوذ في ظل الدمار، يفاقم الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويجعل الناس يشعرون بأن معاناتهم تُدار سياسيًا بدل أن تُعالج.

لا يعني ذلك القفز عن مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي، وهي مسؤولية مركزية ومباشرة في تدمير البنية التحتية، وتجويع السكان، ومنع الإغاثة وإعادة الإعمار. غير أن اختزال المأساة في هذا البعد وحده، دون مساءلة الفاعلين المحليين عن طريقة إدارة الواقع، يُفضي إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها. فالسياسة، حين تنفصل عن حسابات المجتمع وقدرته على الاحتمال، تتحول من أداة مقاومة إلى عبء إضافي على الناس.

كما أن استمرار الحكم في غزة بمنطق أمني وتنظيمي، في ظل غياب أفق سياسي حقيقي، يطرح تساؤلات حول مفهوم الشرعية ذاته. فشرعية أي سلطة لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود أو السيطرة، بل بقدرتها على حماية المجتمع، وتخفيف معاناته، وفتح مسارات واقعية للخروج من الكارثة. ومع غياب هذه العناصر، يتحول الحكم إلى إدارة أزمة طويلة الأمد، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.

الأخطر في المشهد الحالي أن المعاناة الإنسانية تُستخدم ضمنيًا كجزء من معادلة الصراع، سواء عبر تحويلها إلى خطاب تعبوي، أو عبر التعامل معها بوصفها كلفة لا مفر منها. هذا المنطق لا يُراكم قوة سياسية بقدر ما يُعمّق التآكل الاجتماعي، ويُضعف النسيج المجتمعي، ويجعل أي مشروع وطني أكثر هشاشة في مواجهة التحديات المقبلة.

غزة اليوم تقف أمام مفترق حاسم: إما الاستمرار في إدارة المأساة بمنطق السلطة وتوازنات النفوذ، أو الانتقال إلى مقاربة سياسية جديدة تُعيد الاعتبار لحياة الناس وكرامتهم بوصفهما نقطة الانطلاق لأي مشروع سياسي. فحين يغرق الناس في الخيام، ويُنهكهم الجوع، لا تعود الشعارات كافية، ولا يصبح الحكم هدفًا بحد ذاته، بل عبئًا إن لم يكن مرتبطًا بإنقاذ الإنسان أولًا.

---------------

* صحفي وكاتب مختص بالشؤون الدولية، وباحث في القضايا والنزاعات المسلحة