عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 كانون الثاني 2026

حين تُطفأ يد الإغاثة بقرار

حبر على جمر - لمى عواد

في المشاهد الكبرى، لا يبدأ العنف بالرصاصة، بل بالمنع، ولا يبدأ تفكيك الحياة بالقتل وحده، بل بإغلاق المسارات التي تُبقيها ممكنة. منع الوصول، ومنع الحركة، ومنع الكلام، ثم منع من يحاول أن يُبقي الناس على قيد الحياة. هكذا تُدار الكوارث حين تتحول السياسة إلى أداة لإطالة الألم لا لاحتوائه.

ما يجري اليوم بحق العمل الإنساني ليس تفصيلا إداريًا ولا خلافا قانونيا أو تقنيا حول تراخيص ناقصة أو إجراءات معلّقة. بل خطوة متقدمة في هندسة المعاناة وإطالتها هو لحظة كاشفة لحدود "الإنسانية" حين تصطدم بجدار القوة.

قرار الاحتلال تجفيف عمل عشرات المنظمات الإنسانية في غزة والضفة الغربية لا يمكن فصله عن سياقه الأوسع: حصار ممتد، وعدوان متواصل، وسعي منهجي لتفكيك كل ما يشكّل سندا للحياة اليومية.هنا، لا يُعاد تنظيم العمل الإنساني، بل يُعاد تعريفه سياسيا، بحيث يصبح مسموحا فقط ما لا يزعج رواية القوة ولا يفضح كلفتها البشرية.

العمل الإنساني، في هذا السياق، لا يُستهدف لأنه أخطأ، بل لأنه موجود. وجوده يربك سردية التحكم الكامل، ويكسر وهم أن المعاناة يمكن إدارتها بصمت. فالإغاثة هنا ليست خبزا ودواءً فقط، بل شهادة، وتوثيق، وإصرار على أن ما يحدث ليس "وضعا معقدا"، بل حياة تُستنزف يوما بعد يوم.

في السياق الفلسطيني، لا تؤدي المنظمات الإنسانية دورا خدميا فحسب، بل تسد فراغا خلّفه غياب الحماية الدولية الفعلية.

وحيث تُترك المجتمعات لمواجهة مصيرها بأدوات محدودة. استهدافها يعني عمليًا استهداف الفئات الأكثر هشاشة: النساء، والأطفال، والمرضى، وكبار السن، وكل من باتت حياته معلّقة على توقيت المساعدة ووصولها.

في الأماكن المحاصرة، تتحول المنظمات الإنسانية إلى ما يشبه الشريان الأخير. وحين يُقطع هذا الشريان، لا يتوقف النزيف، بل يُصبح غير مرئي. ربما هذا هو الهدف الأعمق: لا إنهاء الأزمة، بل جعلها أقل حضورًا في الوعي العالمي، وأقل إزعاجًا للضمير الدولي.

الأخطر أن هذا الاستهداف لا يحدث في الخفاء.. يحدث على مرأى من العالم، وسط بيانات قلق، وتصريحات توازن بين اللغة واللاموقف. صمت يطرح سؤالا جوهريا حول مصداقية النظام الدولي نفسه، وقدرته على حماية المبادئ التي قام عليها، حين يصبح تطبيقها انتقائيا ومشروطا بالجغرافيا والهوية السياسية للضحايا. العمل الإنساني يُحاصَر هنا ليس لأنه خالف القانون، بل لأنه يذكّر به.

في هذا المشهد، لا تُعاقَب المنظمات وحدها، بل يُعاقَب المجتمع بأكمله. النساء اللواتي يعتمدن على خدمات الحماية، والأطفال الذين ينتظرون لقاحًا أو وجبة، والمرضى الذين صار العلاج بالنسبة لهم مسألة توقيت لا خيار. لأنه يشهد، ويوثّق، ويرفض اختزال المعاناة في أرقام أو توصيفات تقنية. ولأن وجوده يعرّي التناقض بين خطاب "القيم الإنسانية" وممارسات الواقع.

ما نشهده اليوم هو انتقال من إدارة الصراع إلى إدارة الألم، ومن الحصار العسكري إلى حصار الحياة نفسها، عبر تجفيف كل ما يساعد على الصمود أو يخفف من وطأة الكارثة. إنها سياسة لا تهدف إلى إنهاء الأزمة، بل إلى جعلها مستدامة، مضبوطة الإيقاع، وقليلة الإزعاج للضمير العالمي.

أمام هذا المشهد، لا يكفي السؤال عن قانونية القرارات أو شرعيتها. السؤال الأهم هو: ما الذي يتبقى من معنى الإنسانية حين تُمنع حتى أدواتها من العمل؟ وما قيمة القوانين الدولية إن لم تحمِ من يعملون باسمها؟ فحين تُحاصَر الإنسانية، لا يكون الصمت حيادًا، بل شراكة غير معلنة في استمرار الجريمة.

تجفيف عمل المنظمات الإنسانية ليس تفصيلا تقنيا، بل خطوة ضمن مشروع أوسع لتفكيك مقومات الصمود، وتحويل الحياة الفلسطينية إلى حالة طوارئ دائمة بلا شهود.

في هذه اللحظة، السؤال لم يعد: هل هذا القرار قانوني؟ بل: كم انتهاكا إضافيا يحتاج العالم ليعترف أن ما يجري ليس "إدارة نزاع"، بل تفكيك ممنهج للحياة؟.