عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 كانون الأول 2025

جغرافيا الانتظار

حبر على جمر - لمى عواد

الانتظار في فلسطين ليس مجرد وقت يمر، بل هو سياسة ممارسة على الأجساد. له جغرافيته المرسومة بدقة عسكرية، وخرائطه التي تعاد كتابتها يوميا حسب مزاج الاحتلال. على الحواجز، في الطوابير، أمام المعابر، لا نقف فقط، بل نجبر على الوقوف. والفرق شاسع بين أن تنتظر وأن تنتظر، بين أن يكون الانتظار اختيارا وأن يكون أداة إخضاع.

الحاجز ليس عائقا أمنيا كما تدعي السردية الاسرائيلية، بل هو آلية سياسية لتفتيت الزمن الفلسطيني، لجعل كل حركة تحتاج إلى إذن، كل تنقل يتطلب موافقة، كل رحلة قصيرة تتحول إلى معاناة طويلة. إنها سياسة مدروسة لكسر الإرادة، لجعل الحياة العادية نفسها شكلا من أشكال الاستسلام اليومي.

في طابور حاجز قلنديا، كل صباح، لا يلتقي العشرات فقط، بل يحتجزون معا. قد نتبادل "صباح الخير" بألفة قسرية، لكن هذه الألفة نفسها هي نتيجة سياسة قهر ممنهجة. نحن لم نقررْ أن نقضي ساعات من حياتنا واقفين تحت الشمس أو المطر. أجبرنا على ذلك، وهذا هو جوهر المسألة.

الانتظار هنا ليس تعليما للصبر، بل فرض للإذعان. إنه رسالة يومية واضحة: أنتم لا تملكون حتى وقتكم. نحن من يقرر متى تمرون، متى تصلون إلى عملكم، متى ترون أهلكم، متى تعيشون. هذا التحكم في الزمن هو شكل من أشكال السيطرة الاستعمارية الأكثر قسوة، لأنه لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل اللحظة، اليوم، الساعة، الدقيقة.

وحين تولد صداقات على الحواجز، فهي صداقات المقهورين الذين يتشاركون القهر نفسه. تضامن المنتظرين ليس رومانسيا، بل هو غريزة بقاء جماعية في وجه آلة تسعى لتجريدنا من إنسانيتنا. نتحدث، نتشارك، نتعاون، لا لأن الانتظار جميل، بل لأننا نرفض أن نتحول إلى أرقام صامتة في طابور الإذلال.

الانتظار يسرق منا أكثر من الوقت. يسرق الحرية، الحق في الحركة الذي هو حق إنساني أساسي. الطفل الذي يتأخر عن مدرسته ليس مجرد طفل متأخر، بل ضحية لسياسة تستهدف تدمير التعليم الفلسطيني. الموظف الذي يفقد عمله ضحية لاقتصاد مشوه يستخدم فيه التنقل كأداة عقاب جماعي.

نعم، نتكيف، لكن هذا التكيف نفسه هو شكل من أشكال المقاومة، وليس قبولا. حين نجد طريقة لنعيش رغم الحواجز، لا نشرع الحواجز، بل نؤكد أن الحياة أقوى من آلة القمع. البائع المتجول، الأطفال الذين يلعبون، الناس الذين يتشاركون الطعام - كلهم يقولون: لن تكسرونا، لن تحولونا إلى أشباح ننتظر الموت.

الانتظار في فلسطين رسم خريطة استعمارية على وعينا وعلى أجسادنا. نحن مجبرون على معرفة أين يطول الانتظار وأين يقصر، لكن هذه المعرفة ليست محايدة، بل هي معرفة المستعمر بأدوات استعماره. "خلي بالك من الحاجز" ليست نصيحة عادية، بل دليل واقع تحت الاحتلال.

في النهاية، جغرافيا الانتظار هي جغرافيا الاحتلال نفسه. خريطة من السيطرة والإذلال، من القهر والمقاومة، من محاولة محو الفلسطيني من زمنه ومكانه، وإصرار الفلسطيني على البقاء. نحن لا نحتفي بالانتظار، بل نعيش رغمه، نحلم رغمه، نخطط للمستقبل رغمه. وكل دقيقة نقضيها في الانتظار هي دقيقة تضاف إلى حساب التاريخ، شاهدة على جريمة مستمرة اسمها الاحتلال.