عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 كانون الأول 2025

الاصل هو الوحدة وليس التنافر

شادي جبارين

من أكثر الأسئلة زيفا في الخطاب عن فلسطين ذلك السؤال الذي يبدو بريئا في ظاهره: كيف تعايش المسلمون والمسيحيون؟

فهذا السؤال، في جوهره، نتاج وعيٍ اختزاليٍّ يُصرّ على افتراض التناقض قبل البحث عن المعنى. إنه سؤال يفترض أن الأصل هو التنافر، وأن الوحدة حالة استثنائية تحتاج إلى تبرير، بينما التجربة الفلسطينية تقول العكس تماما.

في فلسطين، لم يكن المسلم والمسيحي جماعتين تبحثان عن صيغة تعايش، بل كانا وما زالا، تجليين لإنسانٍ مركّب، ذلك الإنسان الذي تحدث عنه عبد الوهاب المسيري طويلا: إنسانٌ يتجاوز البُعد الواحد، ويقاوم اختزاله في الدين أو العرق أو الوظيفة. هنا، لم يكن الدين تعريفا سياسيا للفرد، بل إطار أخلاقي يمنح الوجود معناه، ويمنع تحوّله إلى أداة إقصاء.

تاريخيا، لم تُبنَ فلسطين على نموذج الدولة الطائفية، ولا على منطق الامتياز الديني. منذ الفتح الإسلامي، لم يُلغَ الوجود المسيحي، ولم يُعد تعريفه بوصفه هامشا أو خطرا، بل بوصفه جزءا أصيلا من نسيج أهل الأرض. كانت الكنيسة، كما المسجد، فضاءً روحيا داخل مجتمع يرى في الأرض جامعَه الأوسع، وفي الإنسان غايته العليا. هذا التداخل لم يكن استثناءً أخلاقيا، بل نمط حياة يوميا تشكّل عبر القرون.

ويتجلّى هذا النمط في تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الشعارات الكبرى: في مشاركة الناس أفراحهم وأعيادهم، لا بوصفها مجاملات اجتماعية، بل أفعال محبة وواجب أخلاقي متبادل. حين يشارك المسلم جاره المسيحي عيده، أو يفتح المسيحي بيته في مناسبة إسلامية، لا يحدث ذلك بدافع التسامح بمعناه السطحي، بل بدافع وعيٍ يرى في فرح الآخر امتدادا لفرحه هو. هنا، لا تُلغى الخصوصية الدينية، بل تُصان داخل إطار وطني أوسع، يؤمن أن العيد لا يُقيم حدودا، بل يفتح مساحات للإنسان.

من منظور مسيري، يمكن قراءة هذه الممارسات اليومية بوصفها مقاومة صامتة لمنطق الاختزال. فالإنسان لا يُختزل في طقسه، والطقس لا يتحوّل إلى جدار عازل. العيد، في فلسطين، كما الحزن، شأنٌ مشترك، ولحظة يُستعاد فيها الإنسان كاملا، لا عضوا في طائفة، بل شريكا في المعنى. ولهذا، لم تكن هذه المشاركات استثناءً تاريخيا، بل جزء من البنية العميقة للوعي الجمعي الفلسطيني.

مع دخول المشروع الاستعماري إلى فلسطين، تغيّر السؤال جذريا. لم يعد المطلوب فهم فلسطين، بل إعادة تعريفها وفق نموذج أحاديٍّ يُقدّس الأرض ويُفرغ الإنسان. هنا، جرى تقديس الاستعمار نفسه، وتحويله إلى سردية دينية مغلقة تُقصي الفلسطيني من التاريخ، وتُعيد تعريفه بوصفه غيابا. في هذا السياق، لم يكن المسلم والمسيحي خصمين داخل الوطن، بل موضوع واحد للإلغاء.

النكبة، في بعدها الفلسفي، لم تكن مجرد تهجير، بل لحظة كشفٍ كبرى. لم تُدمَّر القرى بناءً على خرائط الطوائف، ولم يُهجَّر الناس بسبب طقوسهم، بل بسبب وجودهم ذاته. هنا، تشكّلت الهوية الفلسطينية بوصفها هوية مقاومة للاختزال، لا استبدالا لاختزال بآخر. فالإنسان الفلسطيني، كما لاحظ إدوارد سعيد، لم يعد يعرّف نفسه فقط بما هو عليه، بل بما يُراد محوه منه.

في الثورة الفلسطينية، تكرّس هذا الوعي عمليا. لم يكن الانتماء الديني بطاقة تعريف، بل كان الموقف الأخلاقي هو معيار الانخراط. من المطران هيلاريون كبوجي إلى كمال ناصر، ومن القرى المختلطة في الجليل إلى أحياء القدس، لم يُقرأ الفعل الوطني من زاوية العقيدة، بل من زاوية الانحياز للحق. الدين هنا لم يختفِ، لكنه تحرّر من التوظيف الإقصائي، وعاد إلى موقعه الطبيعي، مصدرا للمعنى والصمود.

أما الأسر، فهو المختبر الأقصى لهذا الإنسان المركّب. في الزنزانة، تسقط كل الهويات الوظيفية، ويبقى الجوهر: إنسان مسلوب الحرية. هناك، لم يكن الصليب أو المسبحة وسيلة تمايز، بل أداة روحية لمقاومة القهر، لا للتفوق على الآخر. هنا يتجلّى الفرق الجوهري بين الدين بوصفه علاقة بالمعنى، والدين بوصفه أداة تصنيف.

كنائس فلسطين، حين فُتحت لإيواء من لا مأوى له، لم تفعل ذلك لأنها متسامحة بالمعنى الدعائي، بل لأنها فهمت ذاتها خارج المنطق الطائفي. هي، كما المساجد، بيوت للرحمن، حيث تُقدَّم كرامة الإنسان على كل اعتبار آخر. هذا الفعل، في عمقه، ليس إحسانا فقط، بل موقف معرفي وأخلاقي يرفض نزع الإنسانية عن الإنسان.

أما شجر الزيتون، فهو ليس رمزا شعريا فحسب، بل بنية دلالية كاملة. الزيتون لا يُعلن هويته، لكنه يفضح من يحاول اقتلاعه. هكذا الفلسطيني: وجوده ذاته هو حجّته، وجذوره أعمق من كل تصنيف.

إن محاولة الفصل بين الفلسطينيين على أساس الدين ليست مجرد خطأ اجتماعي، بل عنف معرفي يُعيد إنتاج منطق المستعمِر بلغة محلية. فهي تفترض أن ما جمع الفلسطينيين كان هشّا، بينما الحقيقة أن وحدتهم سبقت الدولة، وتشكّلت في غيابها، وترسّخت تحت القصف والمنفى والأسر.

في فلسطين، لا تُقاس الهوية بما نؤمن به فقط، بل بما نرفض أن نُختزل إليه. نرفض أن نكون طوائف متجاورة، أو أرقاما في سرديات الآخرين. نصرّ على أن نكون بشرا كاملين، متعددي التعبّد، موحّدي المصير.

وهكذا، لا يكون المسلم والمسيحي في فلسطين متعايشين بالمعنى السطحي للكلمة. إنّهما شريكان في مقاومة الاختزال، وفي إنتاج المعنى الوطني. وفلسطين، في نهاية المطاف، ليست أرضا مقدسة فحسب، بل تجربة إنسانية عميقة… امتحنت الإنسان، فكشف عن أعمق ما فيه.

 * المستشار القانوني لهيئة التوجيه السياسي والوطني