في ظل العناوين الكبرى
حبر على جمر - لمى عواد

بينما تتصدر الأرقام والإحصاءات نشرات الأخبار، وتملأ العناوين الصاخبة شاشاتنا، ثمة حياة كاملة تدور على الهامش، لا تصلح أن تكون خبراً عاجلاً، لكنها الخبر الحقيقي. إنها حياتنا اليومية التي تستمر رغم كل شيء، تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها الكاميرات، ولا تستحق دقيقة في نشرة الأخبار، لكنها ما يشكل هويتنا الحقيقية كفلسطينيين.
في مخيم قديم شمال الضفة، لا تزال أم محمد تصر على زراعة الريحان في علبة زيت فارغة أمام بيتها. فعل بسيط، عادي، لا يستحق أن يُذكر. لكنه في الحقيقة أعمق من مئات التصريحات السياسية. إنه إصرار على أن الحياة أكبر من أن تُختزل في رقم أو إحصائية، وأن الجمال حق لا يسقط بالتقادم، حتى في أضيق المساحات.
وفي شوارع نابلس، يواصل أبو علي ترميم دكانه الصغير للكتب القديمة. يرتب المجلدات بعناية فائقة، يمسح الغبار عن أغلفتها، يتحدث عنها كأنها أصدقاء قدامى. لا أحد يسأله عن مبيعاته في تقرير اقتصادي، ولا أحد يذكر أن محلاً كهذا لا يزال صامداً رغم كل شيء. لكن صموده هذا هو شكل من أشكال المقاومة، هادئة، غير مرئية، لكنها أشد رسوخاً من الشعارات.
هذه هي المقاومة الثقافية الصامتة التي لا تحتل الصفحات الأولى. إنها في تمسك المعلمة بتعليم طلابها رغم الحواجز والإغلاقات. في إصرار الفنان على الرسم في زاوية صغيرة من بيته المكتظ. في تصميم الجدة على رواية الحكايات القديمة لأحفادها، كي لا تضيع الذاكرة في زحمة اللحظة الراهنة.
ما يغيب عن الأخبار الكبرى هو أن الحياة الفلسطينية ليست مجرد ردة فعل على الاحتلال. نحن لسنا مجرد أرقام في تقارير حقوق الإنسان، أو وجوها باكية في نشرات الأخبار. نحن أناس نحب، ونحلم، ونخطط لمستقبلنا، ونتشاجر على أشياء تافهة، ونضحك حتى البكاء، ونطبخ، ونغني، ونزرع الورد حتى في أقسى الظروف.
حين يختزل العالم قصتنا في مشهد درامي أو إحصائية مروعة، يضيع في هذا الاختزال ما هو أهم: إنسانيتنا الكاملة، وتعقيداتنا، وتناقضاتنا، وعاديتنا الجميلة. يضيع أن فلسطينياً ما يكتب قصيدة حب في مقهى رام الله، وأن فتاة في غزة تستعد لامتحانها الجامعي رغم كل شيء، وأن عائلة في الخليل تحتفل بعيد ميلاد طفلها بكعكة بسيطة وفرح حقيقي.
هذه التفاصيل الصغيرة ليست هروباً من الواقع القاسي، بل هي الواقع نفسه في حقيقته الكاملة. إنها ما يجعلنا بشراً، لا مجرد أبطال. وهي ما يجعل صمودنا حقيقياً، لأنه ليس صموداً أمام الكاميرات، بل صمود في اللحظات الصغيرة، الخاصة، العادية.
العناوين الكبرى تأتي وتذهب، تشتعل ثم تخبو. لكن الحياة على الهامش، في الظل، بعيداً عن الأضواء، هي ما يستمر. هي ما يشكل نسيج وجودنا الحقيقي. وربما، في نهاية المطاف، هي ما سيبقى حين تُنسى كل العناوين.
في "حافة المشهد"، سنحاول التقاط هذه اللحظات، هذه التفاصيل التي تفوت الآخرين. لأننا نؤمن أن الحقيقة الكاملة لا تكمن في العناوين الصاخبة، بل في الهمسات الهادئة للحياة اليومية، في المساحات التي لا تصلها الكاميرات، حيث تتشكل الحكاية الحقيقية لشعب يرفض أن يكون مجرد خبر عابر.