حجارة البلاد..!
تغريدة الصباح - حسن حميد

كتب إلي المسرحي الألماني (توماس بالك) الذي عرفته منذ سنوات طوال، في أحد اللقاءات الأدبية، وهو يعد من أبرز كتاب المسرح في أوروبا، ومن أكثرهم نشاطاً وحضوراً وإعلاناً عن نفسه بأنه خلق من أجل خدمة الآداب والحرية، ولهذا فهو يضافف يومياً معارف وأخباراً جديدة لمعرفته السابقة عن بلاد كثيرة، ومنها بلادنا الفلسطينية التي تعاني من كابوس الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948، الذي نراه ونعيشه على شكل مجازر، ومقابر، وسجون، وحواجز، وخراب، وتدمير، وحرق لكل شيء، من الدروب، والبيوت والمعابد إلى النفوس، والكتب، وهذا هو ما يؤمن به حقاً، بل يزيد على هذا.. قائلاً: لقد تتبعت جذور المسألة الفلسطينية، منذ بدايتها، فوجدت أن الممارسات الإسرائيلية هي سبب كل قتل وخراب، وخوف.
كتب إلي (توماس بالك) عن زيارته إلى الجليل الفلسطيني، رسالة ملأى بالدهشة لما وقف عليه، وشاهده، ووعاه، وقال لي معترفاً بأنه ما كان قادراً على ضبط دموعه إلا مرات نادرة، لأن كل شيء يدعوه إلى البكاء جهراً، وقال إن فرحه بما أنجزه الفلسطينيون في قراهم ومدنهم، منذ قرون بعيدة، كان يبكيه أيضاً، بسبب حزنه الأليم، بما وقع عليهم من أذيات وكواره مترادفة طوال أزمنة سابقة على التغول الإسرائيلي، ملأى بالحسرة، والأسى، والتأسف لأن الموت طال الناس، الزرع، والعمران، والكتب، فكان هو الصورة البغيضة التي خلفها المحتلون، والمستعمرون، والمنتدبون، وجميعهم كانوا أهل صلف ووحشية وكراهية وآباء للموت والخراب.
قال لي في رسالته، دخلت إلى متحف في قرية (سمخ) التي تبدو مثل شرفة وسيعة تطل على بحيرة طبريا، وقد كانت من أكبر قرى الجليل قبل عام 1948، قرية ريفية نموذجية، فيها دار للتعليم والدراسة، ودار عبادة، ودار بلدية، ودار للمقاضاة، ودار تاريخية لمتحف اشتمل على مقتنيات قديمة كانت قيمتها مساوية لقيمة الذهب، لأنها دللت على أنها كانت اليد العون للناس كي يعيشوا حياة كريمة صفتها الأولى أنها أقل مشقّة مما سبق من حيوات عاشها الأجداد والآباء، دخلت إلى المتحف الذي ترعاه جمعية اسمها (جمعية الحفاظ على التراث)، ورأيت، وسمعت من المشرفين على المتحف، ما أذهلني في رواق خاص بالحجارة، نعم الحجارة، رواق طويل مديد، ليس فيه سوى الحجارة، لكنها حجارة أشبه بالكتب، التي ما إن تواقفها وتعرف وظيفتها، وما تمنحه من المعاني حتى تندهش، لقد رأيت الحجارة الدائرية ذات الطبقتين التي نحتت ودورت بحذق الأيدي والأزاميل، فبدت كما لو أن الآلات الحديثة خرطتها، فهي منتظمة، ومتوازية، ومتطابقة في الأطراف، ولها فتحة في الطبقة الحجرية الأعلى، ملأتها قطعة خشبية مبرومة صلدة مثل الحجارة، سألت ما هذه، فقالوا لي: إنها طاحونة حجرية (جاروشة)، وهذه العصا القصيرة هي اليد التي تحرك الطبقة الحجرية العليا على مساحة الطبقة الحجرية السفلى، وهذه الفتحة الحجرية الثانية البادية، هي (الجورة الحجرية) التي تستقبل كل ما يراد طحنه، من قمح، وشعير، وعدس، وحمص، وذرة، وملح صخري، إنها مطحنة، مهولة، وزنها ثقيل، ولها هيبة توازي هيبة النعمة، وقيل لي إن مثيلاتها كانت موجودة في كل بيت، حتى بعد أن أقيمت الطواحين المائية على ضفاف نهر الأردن، وداخل الأودية.
قالوا لي إنها (أي الجاروشة) من إبداعات أجدادنا القدماء، فضحكت، وقلت: ما أتفه القوة الضريرة، يا صديقي، حين تنطق بالأكاذيب، وتتقفى الادعاء، بأن أرضكم كانت بلا سكان، وحين ترضى بالتزوير، والأنساب الذميمة.
ورأيت أجنحة خاصة، داخل متحف الحجارة، مثل جناح البيوت، وفيه رأيت تلك (الجاروشة)، وإلى جوارها (جوارش) صغيرة، وأباريق، وأجران، وأوان صغيرة رقيقة لها حواف، إنها لا تحتاج إلى تعريف، إنها صحون طعام، ورأيت بعض الأواني العميقة قليلاً، وهي واسعة، ومجوفة، وكبيرة وصغيرة، وبقربها سكاكين وملاعق حجرية، برتها وصقلتها الأيدي الماهرة، ورأيت أرففاً حجرية رقيقة أيضاً، وجراراً حجرية للماء والزيت والسمن، وأجرانا حجرية كبيرة لحفظ الماء، ورانات حجرية كبيرة، بعضها استخدم لعلف الحيوانات، وبعضها الآخر استخدم لسقايتها، ورأيت دوائر حجرية صغيرة ذات اعماق، ملأى بالملح والبهارات ، ورأيت أواني حجرية مستطيلة، ودائرية، ومربعة، وضعت فيها الأزهار، وأباريق صغيرة، ملأى بالماء، ولكل واحد منها فتحتان، فتحة وسيعة كي تملأ بالماء، وفتحة صغيرة طويلة كي تسكب الماء، ورأيت مبارد حجرية، تستخدم في تليين الأخشاب، وحك الجلود بعد دباغتها، وتدوير زوايا الأحذية بعد صناعتها، ورأيت جناحاً خاصاً بزينة النساء، وكله من الحجارة، ولاسيما الحجارة النهرية ذات الألوان المتعددة، رأيت أقراطاً حجرية مدهشة، وقلائد حجرية أين من جمالها قلائد النساء اليوم، ومكاحل حجرية لها ألوان متعددة، لها مردود رفيعة، وأواني حجرية صغيرة، لها أشكال مذهلة، حافظة للعطور، والأصبغة، والكريمات التي استخلصت من النباتات والخضار والفواكه، بعض هذه الأواني دائري، وبعضها مستطيل، وبعضها طويل العنق، وبعضها يحفظ زيوتاً تستخدمها النساء، ورأيت مبارد حجرية طويلة ودقيقة تستخدم لتنعيم كعوب النساء، وأطراف أظفارهن، ورأيت ما أدهشني، رأيت أحذية حجرية صغيرة، إنها للأطفال، سألت عنها، فقيل لي إنها للبنات الصغيرات، كانت البيوت تصنعها من أجل أن تلبسها الفتيات الصغيرات ليلاً ونهاراً، كي لا تتمادى أقدامهن في الاستطالة، أي من أجل أن تظل أقدامهن صغيرة، وهذه ميزة جمالية تميزت بها أقدام الفتيات الفلسطينيات، ورأيت أحذية حجرية للكبار، كانوا يستخدمونها فيلبسونها في الغابات وهم يحتطبون، ويلبسونها وهم يزيلون الثلوج والأوحال من الممرات في أوقات الشتاء، ورأيت الكفوف الحجرية المذهلة في حذقها، وهي مخصصة للنساء في أوقات هرس الذرة الصفراء، وكسر حبات الجوز، والبلوط، وبعضها يستخدم في تنظيف أمكنة نوم الحيوانات من فضلاتها، ورق هذه الفضلات على شكل مستطيلات أو دوائر، كيما تصير، بعد تجفافها، وقوداً لطبخ الطعام والتدفئة، أي فكر هذا يا صديقي، وقد أحاط بكل شيء، وواقف كل شيء، ورأيت المدافئ الحجرية المجوفة ذات الفتحات، التي كان لها مكان ثابت في جدران البيوت، ولها مسارب يخرج منها الدخان إلى خارج البيوت، وقنوات حجرية يسحب الرماد منها كلما تكاثر، أي دنيا كانت في ذلك العصر، يا صديقي، وأي بشر هم أجدادك الذين غالبوا طبيعة المناخ وغلبوه.
ورأيت رقائق حجرية، تشبه الأرغفة، فسألت عنها، وعن وظيفتها، فقيل لي إنها رقائق حجرية تسخن بجمر الحطب، وفوقها تنضج أرغفة الخبز، ويطهى الطعام، وتشوى البطاطا، وعرانيس الذرة، ورؤوس البصل، والأسماك، والبيض والباذنجان، وقيل لي إن المكان كله يسمى( الطابون)، فعلاً ذهلت لأن ما فكر به أجدادهم كان أبعد من الخيال، تصور أنني سألت عن رقائق حجرية، رقيقة جداً، وواسعة في مساحاتها، فقالوا لي: إنها تحمّى حتى تسخن، وتوضع على ظهور وبطون من يشكو الألم، وإنها مفيدة جداً للبشر والحيوانات. ورأيت قناديل حجرية لها حجرات صغيرة كانوا يملؤنها بالزيت، ولها فتائل قماشية، يوقدونها كي تنير البيوت، وأمكنة نوم الحيوانات، أو توضع في مداخل مستودعات الغلال وكواير الحطب والتبن، ورأيت يا صديقي، ولعلي أطلت عليك، كتبكم الحجرية التي سبقت كتب الآجر، والرقم التي كانت تقليداً للحجارة في قسوتها، رأيت الكتب الحجرية المنقوشة كلماتها، وقد كانت توضع في مقدمة بوابات المدن والقرى، وفيها التعريف الوافي عن البلدة والمدينة، ورأيت الكتب الحجرية التي كانت تتصدر واجهات البيوت، ودور العبادة، ودور الحكمة والتشاور، ودور الكهنة، وأجندات مواسم الزراعة، وقنوات الماء، وأسماء الخطباء، وحراس الغابات، والأنهار، وكلها شكلت كتاباً ثقيلاً يتحدث عن ما أبدعتموه إجابة عن أسئلة الحياة ومتطلباتها، ورأيت حجارة طويلة، أشبه بالأعمدة القصيرة نقشت عليها كلمات تحدد مساحة الأرض، وأسماء أصحابها، وتاريخ ملكيتها، كانت هذه الأعمدة تغرس في الأرض عميقاً، كحدود بين أرض فلان، وأرض فلان آخر، أما البيوت والمعابد والأبراج والأدراج والسراديب والقنوات والصهاريج الحجرية، فلا أريد الحديث عنها لأنك تعرفها خيراً مني.
صديقي، سامحني، قلت كل هذا، ولعلك تعرفه جيداً، لأقول شيئاً خلاصته، هي أن شعباً غالب المناخ، وبلادكم بلاد مناخات، ليس من أجل أن يعيش وحسب، بل من أجل أن يبني ويعمر، ويسهم في تطوير الحياة، وترقية السلوك الحضاري للبشر، لهو شعب عظيم، وإن أحاطت به قوة الأزمنة الحديثة البغضاء، وهو شعب لن ينهزم أو ينكسر أبداً !