عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الأول 2025

اقرأوا الواقع كما هو..

حكمت نبيل المصري

لم يعد اللجوء إلى الشعارات، ولا الاحتماء بالأمنيات، ولا الاكتفاء بالدعاء وحده، كافيًا لحماية شعبٍ يتعرّض للإبادة منذ أشهر. هذا النمط من التفكير العاطفي غير المرتبط بالواقع كان جزءًا من الطريق الذي قاد إلى الكارثة الحالية. فالتعاطف الحقيقي مع غزة لا يكون بتبرير الأخطاء، بل بمواجهتها بوضوح ومسؤولية.

إن القاعدة القرآنية الواضحة تقول: ﴿ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يُثخِن في الأرض﴾،

أي أن قضية الأسرى تُدار في سياق قوة وانتصار وتوازن ردع، لا في ظل حصار خانق، وانهيار إنساني، وتفوّق عسكري مطلق للعدو. في لحظة الضعف، يتحوّل ملف الأسرى من ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي، ويصبح ذريعة جاهزة لعدوان واسع يدفع المدنيون ثمنه أولًا وأخيرًا. وهذا ما جرى في غزة بشكل مأساوي وواضح.

 

إن استمرار وجود غزة اليوم، رغم حجم الدمار، لم يكن نتيجة شعارات ولا خطابات، بل نتيجة ضغوط دولية متزايدة، وغضب شعبي عالمي غير مسبوق، وتظاهرات أوروبية كسرت الصمت الرسمي، وتحركات مدنية وصلت حد الإبحار نحو المنطقة للمطالبة بوقف الحرب. لولا هذه العوامل، لكان سيناريو التهجير الجماعي قد أصبح واقعًا مكتملًا، وربما شهدنا إعادة إنتاج لمشاهد تاريخية كارثية عرفتها فلسطين قبل عام 1948.

ما يجري يفرض قراءة سياسية واقعية، لا قراءة انفعالية. فالمتاجرة بالقضية، وتجميل الفشل بالشعارات، لم يعودا مقبولين. الخطاب التعبوي لا يوقف القصف، ولا يحمي الأطفال، ولا يمنع تدمير المدن. الاستمرار في بيع الوهم هو شكل آخر من أشكال التخلي عن الشعب.

غزة ليست ورقة للمزايدة، ولا ساحة لإثبات النقاء الثوري أو تصفية الحسابات السياسية. إنها موطن شعبٍ حيّ، يستحق الحياة والأمن والكرامة فوق أرضه. وأبسط أشكال الوفاء لهذا الشعب هو قول الحقيقة كما هي، بلا تزييف ولا إنكار، والتوقف عن تحميل الضحايا كلفة أخطاء لم يصنعوها.

* صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة