عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 13 كانون الأول 2025

محمد أبو نوح.. في حضرة الجبال والكهوف: مغامرات فلسطين كما لم ترها العيون

رحّال من البيوت القديمة إلى القمم البعيدة.. قصص الأرض التي لم تروَ من قبل

 

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في فلسطين، الأرض التي تحمل في طياتها صدى آلاف السنين، حيث تتشابك الجبال والوديان، وتهمس الصخور بأسرار العصور الغابرة، يسير محمد أبو نوح، كاميرته على صدره وقلبه متقد بالشغف، يبحث عن الجمال الذي يختبئ في الأماكن المنسية. منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، أصبح محمد رمزًا لمغامرة جديدة في فلسطين؛ مغامرة ترويها الصور، وتعيشها الخطوات، وتتنفسها الطبيعة نفسها. لكنه لم يسعَ للشهرة، بل لشهرة للمكان، لكل حجر، لكل شجرة، لكل وادٍ يحمل ذاكرة وطن.

محمد المنحدر من قرية دير غسانة شمال غرب رام الله ليس مجرد مصور أو رحّالة. هو قارئ صامت للجبال، مستمع للأشجار، وحكواتي للصخور الملساء. منذ أكثر من 14 عامًا، وهو يلتقط بصمات الزمن على الجدران الحجرية للكهوف، وعلى قباب البيوت القديمة، وعلى جذور الأشجار التي طالتها رياح السنوات. كل مكان يزوره يصبح نصًا حيًا، وصورة تحكي قصة الأرض نفسها.

من استكشاف شقاق عرارة كفر الديك

عندما يغيب الصخب عن المدينة، وتبدأ الشمس بالانحناء خلف تلال فلسطين، ينطلق محمد أبو نوح، كاميرته على صدره وحقيبته على ظهره، نحو عوالم لا تصل إليها الأقدام عادة. هنا، في الأرض التي تهتز تحت خطا التاريخ، يبدأ المشهد: ضباب يتسلل بين الصخور، وأصوات الطيور الغامضة تتداخل مع صدى الرياح، وكأن الطبيعة كلها تصغي إلى قدومه.

كاميرته في يده، كأنها امتداد لروحه. على مدار 14 عامًا، جعل أبو نوح من عدسته وسيلة لإحياء الأماكن المنسية، ومن خطوته الأولى على الأرض الفلسطينية رحلة اكتشاف لكل حجر وشجرة وبيت قديم.

يفتح أبو نوح قلبه لـ "الحياة الجديدة" ويقول: "بدأت علاقتي بالتصوير مع هاتف Nokia N95 بين عامي 2010 و2011، كنت أصور غروب الشمس وأصدقائي، ومع الوقت انتقلت لتصوير الطبيعة في بلدتي". كانت نقطة التحول في حياته حين رافقه حافظ البرغوثي رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة الاسبق في إحدى النزهات عام 2017، ولاحظ حماسه وإتقان يده على الكاميرا. "قال لي: أنت مصور بارع، لماذا لا تنشر ما تصوره؟"، ويضيف مبتسمًا: "بعدها أهداني كاميرا، وبدأت أصور وأنشر صور الطبيعة والبيوت العتيقة".

أما الاستكشاف، فيقول أبو نوح: "بدأت فعليًا عام 2021، أول رحلة كانت إلى بير النخرون في بلدة كفل حارس، مع مجموعة مختصة لتوثيق النوازل والصواعد". ومن هنا، بدأ أبو نوح في الجمع بين التصوير والاستكشاف، متحولًا من مصوّر إلى مكتشف يقرأ فلسطين بعيون مختلفة.

عامود تشكل من عوامل الطبيعة استكشاف بير الحمام وادي صريدا دير غسانة

بالنسبة له، فلسطين ليست مجرد مساحة جغرافية، بل وطن يخبئ أسراره لكل من يقترب منه: "تغيرت نظرتي لكل موقع أزوره، كل مكان يحمل رسالة، وكل خطوة أراها جزءًا من وطننا". ومن هنا جاء شعاره الذي يميز أعماله: "أنا لا أبحث عن الشهرة، بل عن شهرة المكان. زيارتي لكل مكان تعيد له الروح"، يقول في سياق حديثه للصحيفة.

قبل خمس سنوات، انضم محمد إلى فريق "To The Moon"، فريق لا يعرف الحدود بين المغامرة والاستكشاف، بين الخطر والجمال. مع كل رحلة، يصبح الطريق أكثر وعورة، والجبال أكثر صخبًا في صمتها، والكهوف أكثر عمقًا وأسرارًا. يتسلق القمم العارية، ويهبط بالحبال إلى وديان مظلمة، يبحث عن الأماكن التي لم تطأها العيون من قبل. وفي كل مرة، تتحول العدسة إلى مرآة تعكس سحر فلسطين البكر.

في أحد الأيام، قبل خمس سنوات أخذته الرحلة إلى كهف كارستي في قلب الجبال الشمالية، حيث صمت الحجر يتخلله قطرات الماء التي تتساقط مثل موسيقى خفية. الضوء يتسلل عبر شقوق ضيقة، فيخلق ظلالًا تتحرك ببطء على جدران الكهف، وكأن الصخور تتنفس. هنا، التقط محمد صورة لجدار صخري عليه نقوش طبيعية وكأنها كتاب مفتوح عن آلاف السنين. قال حينها: "كل حجر هنا يروي حكاية، وأنا مجرد مترجم بصوري."

لا يعيش محمد لحظاته في عزلة. مع كل رحلة، يسعى لإلهام الشباب الفلسطيني، ليكشف لهم أن الأرض ليست مجرد مكان، بل تجربة، وأن التاريخ والطبيعة والحياة متشابكة بطريقة لا يفهمها إلا من يغامر ويستكشف. الشباب يشاركونه الهايكينغ، يتسلقون الصخور، يزورون البيوت القديمة، ويسمعون حكايات الجبال التي يرويها لهم بصورة وصوت. الرسالة واحدة: حماية الطبيعة والحفاظ على التراث ليس واجبًا، بل عشق.

بين البيوت القديمة والمواقع المنسية، يبحث أبو نوح عن أثر الإنسان أكثر من الجمال أو التاريخ الورقي: "الجمال موجود في كل مكان، والتاريخ مكتوب على ورق، لكن أثر الإنسان هو الذي يعيش بالذاكرة". أما عن التوازن بين "الدهشة البصرية" و"القيمة الإنسانية"، فيقول: "كل صورة تأخذ جزءا من جمال العين".

ومن بين كل الصور التي التقطها، هناك مشهد لم يزل عالقًا في ذهنه: قرية بيت عطاب المهجّرة في القدس. عند وصوله، فوجئ بطلاب مدارس يرافقهم مرشدون يهود يشرحون لهم عن المكان وكأنه تاريخهم. "لليوم عالق المشهد في ذاكرتي، كيف الغريب يروي عن المكان وكأنه ابنه". كما يقول.

أما أصعب المواقف  التي مر بها محمد أبو نوح حسب ما كشف لـ "الحياة الجديدة"، فيعود إلى أحد الاستكشافات في أحد الآبار، حيث نزل حوالي 20 مترًا مع أصدقائه، "وبعد ساعة من النزول، كان المكان قليل الأكسجين، اضطررت للاتصال بالمساعدة قبل فوات الأوان".

الأماكن المنسية والأثرية المهملة تؤلم أبو نوح، لكنه يتعامل معها بصمت، ويقول: "أستمع لما يحكيه المكان، وألتقط صورًا لجماله وليس للخراب". وبالنسبة للعدسة، يرى أن الصورة وحدها أحيانًا تكفي لإحداث الأثر، وفي أحيان أخرى تحتاج كل لقطة إلى رواية: "بعض الأماكن تتكلم الصورة عنها، وأخرى يجب أن نروي قصصًا عنها"، يقول ابو نوح.

أما عن حلمه الأكبر، فيقول: "توثيق كل شبر من فلسطين تاريخيًا وجغرافيًا. لو توقفت يومًا عن حمل الكاميرا، سأشعر أني خنت وطني، لأن هذا التوثيق ليس مجرد كبسة زر، بل واجب وطني".

أما الطبيعة، فتمنح أبو نوح أكثر مما تمنحه المدن: "الطبيعة تمنحني السلام الداخلي، الراحة، الحرية… الجلوس عند عين مياه صباحًا، مع خرير المياه وزقزقة العصافير، شعور لا يقدمه أي شارع في المدينة".

محمد أبو نوح، بمزيج من الفن والشجاعة والوفاء للوطن، يثبت أن العدسة ليست مجرد أداة، بل رسالة، وأن كل صورة تلتقطها هي محاولة لإعادة الروح إلى فلسطين المنسية، واحدة تلو الأخرى، جعل من عدسته جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الطبيعة والثقافة، وبين الشباب وذاكرة الأرض. كل صورة، كل مغامرة، هي رسالة أن فلسطين ليست مجرد مكان على الخريطة، بل روح، تجول في الجبال والوديان، تنتظر من يقرأها، من يرويها، ومن يحميها.

كل رحلة، كل صورة، كل لحظة في حضرة الطبيعة، تضيف فصلًا جديدًا في كتاب محمد أبو نوح المفتوح على فلسطين. هو ليس مجرد مصوّر، ولا مجرد مغامر، بل صانع قصص، صديق للأرض، وحارس للذاكرة، وملهم لشباب يسعون لرؤية ما لا ترى العيون العابرة، ولإعادة الحياة إلى الأماكن المنسية.

 

رسالة الرحّال

لمن يرغب في الدخول إلى عالم الاستكشاف والتوثيق، يقدم أبو نوح نصيحته الذهبية: "قبل أن تكون كبسة زر، لامس المكان بالإحساس، وقبل أن تكون مستكشفًا، تدرب على السلامة".

محمد أبو نوح جعل من عدسته جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الطبيعة والثقافة، وبين الشباب وذاكرة الأرض. كل صورة، كل مغامرة، كل لحظة في حضرة الطبيعة، تضيف فصلًا جديدًا في كتابه المفتوح على فلسطين. هو ليس مجرد مصوّر، ولا مجرد مغامر، بل صانع قصص، صديق للأرض، وحارس للذاكرة، وملهم لجيل يسعى لرؤية ما لا ترى العيون العابرة، ولإعادة الحياة إلى الأماكن المنسية.

وفي كل رحلة، يترك محمد أثرًا لا يُمحى: أن فلسطين ليست مجرد مكان على الخريطة، بل روحٌ تتنفس في الجبال والكهوف والوديان، تنتظر من يقرأها، من يحميها، ومن يروي قصتها.

 استكشاف عين بير التوتة ياسوف سلفيت