الصمود ثم الصمود ثم الصمود
د. رمزي عودة

سأل أحد الاعلاميين والمفكرين الفلسطينيين الرئيس أبو مازن عن الخيارات المتوفرة للشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع التغول الاسرائيلي في الوطن الفلسطيني، فأجاب الرئيس بجملة لها دلالاتها السياسية الواعية وهي الصمود ثم الصمود ثم الصمود.
وعندما تداول هذه الجملة أحد المحافظين كتوصية وإرشاد للشعب الفلسطيني في هذا الظرف الدقيق، تناقلت بعض مواقع التواصل الاجتماعي الصفراء هذه الجملة باستخفاف شعبوي باعتبارها سياسة فارغة تسمح للاحتلال بالاستمرار في سياسته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني!
وللأسف، فإن الاستخفاف بهذه الوصفة السياسية والنضالية المتمثلة بالصمود يخفي وراءه الاشادة وتبجيل الخيارات الاخرى المسلحة التي أوقعت الشعب الفلسطيني في نكبة ثانية وتهجير قسري في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ما أود قوله في هذا المقال، إن الصمود يشكل منظومة نضالية يمكن لها أن تتعزز لتمنع سياسات الاحتلال الرامية الى تهجير الشعب الفلسطيني وإبادته، لا سيما أن منظومة الاحتلال الصهيوني الراهنة تتسابق من أجل ابتلاع الضفة الغربية وتهجير سكانها تماما كما فعلوا مؤخرا في قطاع غزة. إنها للأسف منظومة كولينيالية تستغل حالة الانكسار في الحقل الفلسطيني الذي حدث بعد السابع من أكتوبر، وتستغل أيضا عدم وجود مجتمع دولي راغب وقادر على لجم سياسات الاحتلال، وذلك من أجل تصفية المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل بالدولة الفلسطينية المستقلة.
وإذا ما أردنا أن نفعل منظومة الصمود لدينا، فإنه يتوجب علينا أن تعزز المحاور التالية المشكلة لهذه المنظومة وهي:
أولا: إحياء القيم الوطنية النضالية والتمسك بالأهداف الوطنية المتمثلة بضرورة التخلص من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
ثانيا: تعزيز الوعي الوطني المتمثل بوحدة التمثيل في إطار منظمة التحرير والتمسك بحق العودة ومنع التهويد والتمسك بالارض.
ثالثا: تعزيز وتمكين مقومات الصمود المادية والغذائية للأهالي من أجل البقاء في بيوتهم وأراضيهم الزراعية.
إن مثل هذه الاستراتيجية الوطنية المتمثلة في الصمود تستطيع أن تخدم إستراتيجيات المشروع الوطني الفلسطيني المتمثلة بالآتي:
أولا: الحد من الاستيطان من خلال التمسك بالأرض والحفاظ عليها. ووقف عمليات تسريب الأراضي أو مصادرتها.
ثانيا: وقف مسلسل التهجير القسري أو الطوعي للفلسطينيين، وبالتالي عدم السماح باحلال المستعمرين اليهود محلهم.
ثالثا: منع الاندماج الطوعي أو القسري للتجمعات الفلسطينية مع مكونات الاحتلال الديمغرافية او السياسية.
رابعا: تفويت الفرصة على الاحتلال الاستعماري من أجل تدمير مقدرات الشعب الفلسطيني وتهجيرهم من بيوتهم كما فعلوا في القطاع ومخيمات الشمال في الضفة الغربية.
وأخيرا، وكما هو واضح من السرد السابق، فإن الصمود يعتبر استراتيجية وطنية ناجحة في الدفاع عن الذات والكينونة الفلسطينية ومنع التخلص منها، وهي بالمحصلة استراتيجية مناسبة للحالات التي يكون فيها فارق القوة لصالح الاحتلال كبير جدا، وفي الحالات التي تكون فيها دافعية الاحتلال محكومة بأيديولوجيا دينية وسياسة متطرفة تقوم على إقصاء الأخر كما هو الحال بالنسبة للحالة الصهيونية. وبالضرورة، فإن الاعتماد على هذه الاستراتيجية الوطنية لا يعني إغفال الاستراتيجيات الوطنية المساندة مثل الدبلوماسية القانونية والسياسية والشعبية وكذلك الأمر بالنسبة للمقاومة الشعبية السلمية وغيرها من الأدوات التي تعزز فرص نجاح المشروع الوطني الفلسطيني برغم الاحتلال. وهو الأمر الذي تتجلى تداعياته الآن في عزل اسرائيل دوليا وكذلك في اعتراف أكثر من 160 دولة في العالم بالدولة الفلسطينية ومن بينها الدول الغربية.