عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 كانون الأول 2025

كرة القدم الفلسطينية.. حين تتحول الرياضة إلى معنى وفكرة حياة

عميد دكتور/ شادي جبارين*

لم تدخل كرة القدم إلى البيوت الفلسطينية كرياضة فقط، بل تسلّلت إليها كحكاية نجاة، وكصيغة أخرى من صيغ الوجود في وجه الفناء. لم تكن يوما مجرد مستطيل أخضر ولا تسعين دقيقة من اللهاث، بل كانت منذ بداياتها تمرينا يوميا على الأمل، ومواجهة مفتوحة مع فكرة القهر ذاتها. هكذا، من الأزقة الضيقة في المخيمات، إلى ملاعب المدن المحاصرة، تشكلت كرة القدم الفلسطينية بوصفها فعل حياة في بيئة أراد لها الاحتلال أن تبقى مُعلّقة بين القمع والانتظار.

تطوّرت كرة القدم في فلسطين في ظل شروط مستحيلة: حصار، اقتحامات، اعتقالات، هدم، سفرٌ محاصر، وملاعب تُقصف قبل أن يُكتمل فيها العشب. ومع ذلك، نمت لا بوصفها ترفا، بل كحاجةٍ وجودية. فالفلسطيني لا يلعب لأنه يملك فائض وقت، بل لأنه يقاوم فائض الألم. يلعب لأنه يريد أن يبرهن أن الجسد الذي يُلاحق ويُقيَّد يستطيع أن يركض بحرية ولو داخل حدود الملعب.

ومع الزمن، لم تعد كرة القدم شأنا نخبويا أو هواية فئة محددة، بل تحوّلت إلى جزء من الوعي الجمعي. دخلت كل بيت فلسطيني: في القرى، في المخيمات، في المدن، في المنافي، صارت طقسا يوميا، ولغة مشتركة بين الأب وابنه، بين الأسير المحرر والطفل الذي يحلم بمستقبل مختلف. وحين يخوض المنتخب الوطني مباراة دولية، لا يلعب أحد عشر لاعبا فقط، بل يلعب شعب كامل يبحث عن نفسه على شاشة العالم.

بهذا المعنى، لم تعد كرة القدم فعلا رياضيا خالصا، بل غدت واحدة من أكثر أدوات المقاومة السلمية عمقا وتأثيرا. مقاومة بلا بندقية، لكنها محمّلة بالرمز والدلالة. حين يرفع اللاعب الفلسطيني علم بلاده في ملعب دولي، فإنه لا يحتفل بهدف بقدر ما يستعيد حقه في الظهور والاعتراف، وفي أن يُرى شعبه شعبا طبيعيا يستحق الحياة لا مجرد خبر عاجل في نشرات الموت.

قوة كرة القدم الفلسطينية لا تكمن فقط في نتائجها، بل في قصتها: لاعب يعبر الحواجز كل صباح ليصل إلى التدريب، منتخب يتشرذم بين الضفة وغزة والشتات، سفر يتم بإذن الاحتلال، ومباراة قد تُلغى لأن المعبر قد أُغلق. ومع ذلك تُلعب المباريات. وهنا تكمن الفلسفة الأعمق: أن تمارس الحياة وسط شروط نقيضها، وأن تُصرّ على الفرح في قلب الحداد.

أما عالميا، فقد نجحت الكرة الفلسطينية فيما عجزت عنه خطابات البلاغة الانشائية. استطاعت أن تلامس وجدان الشعوب لا عبر السياسة، بل عبر الإنسان. الجماهير التي لا تعرف تفاصيل الجغرافيا ولا تعقيدات التاريخ، بدأت تفهم فلسطين من دمعة لاعب حُرم من أهله، ومن نشيد يُعزف بلا سيادة، ومن منتخب يرفض أن يُختزل في دور الضحية فقط، ويصرّ أن يكون ندّا في الميدان.

كرة القدم هنا ليست ترفيها، بل خطابا أخلاقيا عالميا. تقول للعالم: نحن لسنا أرقاما، نحن بشر نحلم، نخسر، نفرح، ونُصاب، لكننا لا نستسلم. هي مقاومة بلا كراهية، نضال بلا دم، لكنها لا تقل أثرا عن أي وسيلة أخرى في معركة الوعي والرواية.

وفي العمق، ربما كانت كرة القدم الفلسطينية سؤالا فلسفيا كبيرا: كيف يمكن لشعب مُحاصر في المكان أن يوسع حضوره في المعنى؟ كيف يمكن للركض فوق العشب أن يتحوّل إلى إعلان وجود سياسي وأخلاقي؟ وكيف تتحوّل تسديدة على المرمى إلى رسالة بأن فلسطين، رغم كل شيء، ما زالت هنا… وتلعب.

لهذا كلّه، لم تعد كرة القدم في فلسطين رياضة تُمارَس، بل صارت هوية تُعاش، ومقاومة تُرى، ورسالة تُفهم دون ترجمة. وحين يهتف الجمهور باسم فلسطين من المدرجات، فإن الصوت لا يخرج من الحناجر فقط، بل من الجرح، من الذاكرة، ومن الإيمان العميق بأن الحياة، حين تُعاش بكرامة، تكون أبلغ أشكال النضال.

واليوم، إذ نقف خلف منتخبنا الوطني، لا نفعل ذلك بوصفنا مشجّعين فقط، بل بوصفنا حملة رسالة. هذا المنتخب لا يمثّل أحد عشر لاعبا داخل مستطيلٍ أخضر، بل يحمل على كتفيه ذاكرة وطن، ووجع شتات، وأحلام أجيالٍ لم تجد بعد، طريقها إلى الحرية الكاملة. من المدرجات في الوطن، إلى الشاشات في المنافي البعيدة، يمتد خيطٌ واحد من الانتماء، يؤمن أن هذا القميص هو جزء من الهوية، وأن كل مباراة هي إعلان جديد بأن فلسطين، حيثما كانت، شعب واحد وقلب واحد.

وفي الوقت ذاته، فإن قدسية هذه الرسالة تفرض علينا أن نحمي الرياضة من كل ما يشوّه معناها. فلكي تبقى كرة القدم فعلا إنسانيا نقيا، يجب أن تبقى بعيدة عن الأحقاد، والعنصرية، وخطاب الكراهية، وكل ما يحوّل الملاعب من فضاء للقاء، إلى ساحة للصدام.

الرياضة، في جوهرها، خُلقت لتقرّب بين البشر لا لتزيد المسافات بينهم، ولتكون لغة مشتركة لا منصة للكراهية. وحين نحافظ على نقائها، فإننا لا نحمي لعبة فحسب، بل نصون إحدى أجمل صور فلسطين التي يريدها شعبها: حرة، عادلة، وإنسانية.

وفي لحظةٍ حديثة، حين ابتسم المنتخب الفلسطيني في وجه النتيجة، لم تكن الفرحة رياضية خالصة، بل كانت لحظة كثيفة المعنى. في غزة تحديدا، حيث يُختبر معنى الحياة يوميا على حافة الفقد، خرج الفرح كأنّه فعل مناهض صامت، لا يرفع شعارا ولا يطلب تفسيرا. أطفال يلوّحون، وبيوت مثقلة بالغياب تفتح نوافذها على صوت المباراة، وكأن هذا الشعب يقول: دون خطاب ـ إنّه ما زال قادرا على التقاط المعنى من أبسط التفاصيل، وصناعة الضوء من الهامش الضيق للأمل. هناك، تتكشّف كرة القدم لا كلعبة فقط، بل كاستعادة مؤقتة للتوازن الداخلي، وكإصرار على أن الفرح ليس ترفا بل حقّ أصيل.

وفي هذا المشهد بالذات، يتجسد السؤال الأخلاقي الأكبر: أليس هذا الشعب، بكل هذا الثقل من الألم، أهلا للحياة؟ أليست ضحكته حين تأتي شهادة على إنسانيته لا على هشاشته؟ إن الفلسطيني لا يفرح ليبرّر وجوده، ولا ينتصر ليطلب اعترافا، بل لأنه موجود أصلا، ويستحق أن يعيش دون أن يُتَّخذ دمه مادة للخطاب، أو ورقة في حسابات المصالح. فالحياة هنا ليست شعارا، بل ممارسة يومية، والرياضة ليست هروبا من الواقع، بل إحدى صوره الأكثر صفاءً حين يُسمح للإنسان أن يكون إنسانا فحسب.

----------

* المستشار القانوني لهيئة التوجيه السياسي والوطني