عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 كانون الأول 2025

شفا عمرو!

تغريدة الصباح - حسن حميد

بالتأكيد، هذه رسالة، من وجهة نظري، مهمة جداً، تصل إلي من صديقي الكاتب المسرحي الألماني (توماس بالك)، يخبرني فيها أنه كان في زيارة قصيرة لبلادنا فلسطين التاريخية، فزار (شفا عمرو)، و(شعب)، وزار بعض الأحياء الفلسطينية في مدينتي(حيفا) و (يافا)، وخرج بانطباع مذهل ومدهش وغرائبي عن تلك الزيارة، وهنا تكمن أهمية الرسالة.

قال لي معتذراً، بأنه سيكتب إلي أكثر من رسالة ليحدثني عما رأى، وعما استخلصه من هذه الزيارة الغنية بكل شيء، لأنها أكدت قناعته بأن القوة لا تصنع ما تصنعه الثقافة، وأنّ القوة لا تصنع ما تصنعه الكرامة الاجتماعية!

قال لي، في رسالته، دعني أقول لك يا صديقي، كعتبة، بأنني أعرف ألمانيا، براً وبحراً وريفاً ومدينة، فقراً وغنى، كما أنني أعرف الكثير من جغرافيات العالم، فأنا، كما تعرفني في خريف عمري، وقد زرت بلداناً كثيرة، لكن كل هذه المعرفة التي اكتنزتها واغتنيت بها كثيراً، كانت ناقصة، ولم تتم إلا بهذه الزيارة التي قمت بها إلى بلادكم فلسطين،( لقد زرت الجليل، والقدس) لأنني رأيت فرقاً هائلاً بين الأصيل والدخيل، وبين العاشق ومدعي العشق، وبين القوة بالسلاح، والقوة بالقيم، وبين التواضع والغرور، وبين من يحرس الراهن بالقوة، وبين من يحرسه بالمحبة والأمل، لقد زرت بلدة ( شفا عمرو)، وخالطت الكثيرين من أهلها، وأصولهم فلاحية، لعلك تعرف هذا أكثر مني، كانوا يحرثون ويزرعون ويحصدون، وقلة منهم جاؤوا من مدينتي حيفا وعكا، ومعظمهم مهجرون من بلدات وقرى وأحياء تحيط  بحيفا وعكا، وثقافتهم رائعة، وأغلبية من الذين خالطتهم يحملون شهادات عليا (دكتوراة) جاؤوا بها من ألمانيا تحديداً، وبعضها من روسيا، ورومانيا، وفرنسا، وانكلترا، وهم من طوائف وأديان مختلفة، الناس يتداورون السلطة  في (شفا عمرو) في البلدية والمجلس البلدي من دون النظر إلى طوائفهم وأديانهم، وقالوا لي إن البلدة سميت بـ (شفا عمرو) لأن عمرو بن العاص الذي فتح مصر في القرن الميلادي السابع، مر بها، وكان مريضاً، فنصحه رجل حكيم من أهالي البلدة بأن يشرب من عين البلدة، واسمها (عين العافية)، وقد شرب من مائها طوال إقامته فيها (وهي ثلاثة أيام) فشفي، وقد فرح جنوده بذلك، فابتهجوا وتنادوا (شفا عمرو، شفا عمرو)، وقد غلب هذا الاسم على أسماء أخرى عرفتها البلدة سابقاً، وجغرافية البلدة عجيبة، فهي مبنية، مثل مدينة القدس، على سبع تلال، وسهولها وسيعة ورحيبة، وينابيعها، وغدرانها، وسواقيها كثيرة،  وغلالها وفيرة، وقد كانت، من قبل، تطير بجناح الزراعة الناجحة، أما اليوم فهي تطير بأجنحة كثيرة، منها: الصناعة، والثقافة، والتعليم التكنولوجي، والتجارة، والسياحة، وهي محروسة كما قال لي الأهالي من الأرض والسماء، وما (جبل الكاشف) فيها (وعلوه أزيد من ثلاثمائة متر) إلا وجه من وجوه الحراسة السماوية، وما وجود قلعة ظاهر العمر بأبراجها العالية إلا وجه آخر من وجوه الحراسة الأرضية للبلدة، وهذه الأبراج التي تحيط بالقلعة، وهي مدهشة، أقامها ابن ظاهر العمر (عثمان) الذي حكمها، ومساحة البلدة حوالي 20 كم2، وعدد سكانها حوالي 50 ألف نسمة، أما جمال عمرانها فهو مذهل حقاً، فأنت حين تسير في شوارعها أو تماشي بيوتها، أو تجلس في مقاهيها الصغيرة الدافئة، التي تعبرها الشمس وتقيم فيها، تحتار إلى ماذا تنظر لكي تستل الجمال وتتمتع به، والبلدة نقطة مركزية لالتقاء الجبال (جبال الجليل) بالسهول الفسيحة الرحبة، حتى لتبدو لك، مدن مثل (الناصرة )و(حيفا) و(عكا) كأنها كائنات أحاطت بها وقوفاً كي ترى جمالها، وأهالي البلدة يسمون (شفا عمرو) بـ (روما الصغرى) لجمال عمرانها، وسوف تشعر، وأنت فيها، بأنفاس البحر تلفك، وإن بالغت وركبت قارب المجاز، ستشعر أن البحر على مقربة ذراع منك، وحين تدخل البيوت ستجد لوحات مرسومة لقلعة ظاهر العمر معلقة على الحيطان، ذلك  الرجل الذي حكمها في القرن الثامن عشر الميلادي أيام العثمانيين، مدة ستة أعوام، بعد أن حررها من تبعيتها للسلطان العثماني، والبلدة محاطة بسياج من المستوطنات الإسرائيلية ذات الأسطحة القرميدية، وقد سمعت من الأهالي، ومن بينهم من هو مختص بالآثار، بأن الكنعانيين هم من بنوها، وهم من اختاروا موقعها لتكون أشبه بالحصن، بين جبال سبعة، وعمرانها يعلو سبع تلال متجاورة،  وأكدوا لي أن المغاور والكهوف الجبلية تؤكد أن البلدة بلدتان، واحدة ظاهرة في أوقات السلم، وثانية مخفية يعيش الأهالي فيها عند نشوب الحروب، في المغاور، والكهوف، وفي بعض المنازل التي نحتت في الجبال، أما المياه فكانت مخزنة في صهاريج صخرية، تشبه الصهاريج الصخرية التي تخزن الماء في مدينة القدس، وأكدوا لي أن من عمّر القدس وبناها، هو من عمر (شفا عمرو) وبناها أيضاً، فالروح العمرانية، والهندسة الحجرية والرخامية، ومداخل البيوت وألفتها ذات روح واحدة، هناك في القدس، وهنا في (شفا عمرو)، وفي البلدة أكثر من كنيسة، لكن الكنيسة الأقدم تعود إلى القرن الرابع الميلادي، وقالوا لي إن  صلاح الدين الأيوبي، أقام فيها (في قلعتها) أيام حربه مع من سميتموهم الفرنجة، ولاسيما في أثناء مواجهتهم في مدينة عكا، والأمر الآخر الذي أذهلني، يا صديقي، هو أن (عثمان)، ابن ظاهر العمر، هو من بنى أجمل كنيسة فيها، وقد سميت بكنيسة بطرس وبولس للروم الكاثوليك، وذلك لأنه نذر نذراً بأنه إن وفّق ببناء قلعة ظاهر العمر وأبراجها، سيبني كنيسة للروم الكاثوليك فيها، وقد انتهى عمران الكنيسة مساوقة مع بناء أبراج القلعة، وقد رأيت الكنيسة، وجلست فيها ساعة لن أنساها أبداً، بعد أن رويت روحي وغمرتها بجمالها، كما زرت بعض الأديرة، وهي كثيرة، وبعض المساجد، وهي كثيرة أيضاً، وأشهرها مسجد عمر بن الخطاب، وهو أقدمها، وزرت قلعة البلدة، وهي تحفة عمرانية تتجلى فيها أسرار التحصين، والروح العسكرية، وهي عالية، ومطلة على قلعة مدينة (صفد) التي بناها أخوه حاكم صفد.

وأخبرك، يا صديقي، أنني زرت بصحبة بعض أهالي البلدة (عين العافية) التي شرب منها (عمرو بن العاص)، فقالوا لي مبتسمين: اشرب، ستشفى من كل سقم، كما شفي (عمرو بن العاص)، وزرت منطقة اسمها المغاور البيزنطية، وهي أبنية داخل الصخور، وسفوح الجبال، كان الناس  يدفنون موتاهم فيها، وهي تحفة عمرانية، وصخورها ذات لون قمري، وهي أشبه بالخزن، نقشت على بواباتها كتابات يونانية.

سامحني، يا صديقي، لقد فاض الحبر على الورق، وأطلت عليك، لكنني أحتاج إلى صبرك، كعادتي، كي أحدثك في المرة القادمة عن الأسباب التي جعلت اليهود لا يسكنون فيها، مثلما لم يسكنوا في مدينة( أريحا)، وعن أهلها الذين زرعوا حقول القمح، والورد، والسمسم، والفستق، والذرة الحمراء التي استوردوها من الصين، وعن ثياب النساء المطرزة، وعن الأطباق، والقفف، والأواني، والسلال القشية الملونة. سامحني، على مشاركتي لك في وقتك، لكن أعدك، في المرة القادمة، بحديث طيب آخر عن( شفا عمرو).

[email protected]