شتاء ثالث قاسٍ..لماذا على الغزيين دفع الثمن؟
باسم برهوم

ليس من العدل والإنصاف أن يدفع الفلسطينيون في قطاع غزة هذا الثمن الباهظ لخطأ ارتكبته حماس وبهذه الطريق الظالمة، إن ما جرى ويجري في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023 أحد أبشع أشكال العقاب الجماعي الذي تعرض له شعب في التاريخ المعاصر، حتى بعد وقف اطلاق النار وإعادة المحتجزين الإسرائيليين. وبعد قرار مجلس الامن على الغزيين ان يعيشوا شتاء ثالثًا قاسيا وهم في العراء، وإن ما يملكونه من خيام هي ليست في الواقع خياما، إنما قطع قماش بالية وممزقة لا تقي من حر الصيف ولا من برد الشتاء ولا من المطر والريح. ما يجري هو أن الغزيين يعاقبون وكأن عليهم أن يدفعوا ثمن أخطاء البشرية جمعاء، أن يدفعوا ثمن الاضطهاد النازي لليهود وكل لاسامية الأوروبيين وغيرهم عبر التاريخ.
شتاء ثالث، دون أن يشعر الغزيون بأملقرب الخلاص، فالتحرك الدولي بطيء، ولا أمل بإدخالسريع للبيوت الجاهزة أو الخيام المتينة التي تحمي أطفال غزة من البرد.
منذ السابع من أكتوبر، هناك اطفال ولدوافي العراء وعاشوا أولى سنوات عمرهم دون سقف يأويهم. الأمل مفقود ليس فقط من بطء التحرك الدولي، وإنما أيضا من كون الحكومة الإسرائيلية المتطرفة المتعطشة للدم الفلسطيني، تواصل تحكمها بالمشهد الإسرائيلي، ومن جهة أخرى يلاحظ الغزيون أن حماس لم تتعلم من أخطائها وهي تواصل الاصرار على التحكم بقطاع غزة، بالرغم أن جيش الاحتلال يسيطر على أكثر من نصف قطاع غزة. وبالتالي يشعر الفلسطينيون في القطاع انهم عالقون بين التطرف الصهيوني وتحجر عقلية حماس وأنانيتها.
قد لا يكون في وارد نتنياهو وسموتريتش وبن غفير التفكير في حال أطفال غزة، لكن لماذا لا يرد ذلك في عقل حماس؟ لماذا لا تفكر بالمأساة الانسانية التي هي من استدرجها على الشعب الفلسطيني؟ لماذا لا تقر وتعلن لمرة واحدة أن حكمها للقطاع فشل،وأن مقاومتها لم تجلب سوى القتل والدمار ومزيد من احتلال إسرائيل للأرض. وبما يتعلق بالإدارة الأميركية التي نصبت نفسها مسؤولة على القطاع وحاكما فعليا له، لم تتحرك أقله إنسانيا لتخفيف ألم ومعاناة المواطنين الأبرياء في القطاع، هناك حاجة ماسة لتأمين مساكن جاهزة، بنفس أهمية تأمين الماء والغذاء.
وعلى بعض الوسطاء، وخصوصا الأطراف التي تحتضن حماس، مسؤولية إقناع الحركة بان تتوقف عن مناوراتها العقيمة وتعيد الحكم في غزة للسلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة الولاية، لأن الاستمرار في فصل القطاع عن الضفة لا يخدم سوى أهداف اليمين المتطرف الإسرائيلي. مسايرة حماس هي أحد الأسباب التي تبقي الشعب الفلسطيني منقسما، في غزة تحديدا يعيش الشعب الذل والمأساة لشتاء ثالث، هناك حاجة للحزم وإيصال رسالة قوية لحماس بأن تنحني للعاصفة لتجعلها تمر لا أن تواصل المكابرة بعد أن دمر القطاع عن بكرة أبيه.
في غزة لم يعد السؤال إن وافقت حماس أو لم توافق على تسليم سلاحها للسلطة الفلسطينية، وإنما السؤال متى تلتفت حماس لمعاناة الشعب وتشرده، فعندما يخطر ببال حماس الالتفات لمصالح البشر فهذا يعني أنها لم تعد حماس التي نعرفها، حماس الأنانية والمسكونة بفكر جماعة الاخوان وأجنداتهم. فإذا أردنا ان نهزم ايديولوجيا التطرف الصهيوني، علينا ان نتخلص نحن من الأنانية الفصائلية، والتطرف المستورد من فكر الإخوان والإسلام السياسي، فالمصالح الوطنية الفلسطينية لا تمت بصلة لمصالح جماعة الاخوان.
وتبرز أمامنا مسألة مهمة، أن جزءا مهما من معاناة الغزيين هي بسبب تغليب حماس لمصالح الجماعة، ومصالح حلفائها الاقليميين، لقد كان من الممكن أن تكون غزة هادئة ومستقرة ومحررة، كما كانت من عام 2005 وحتى 2007، لو لم تأت حماس وتسيطر على القطاع وفي جعبتها مشروع الجماعة وليس المشروع الوطني الفلسطيني.
ربما لهذه الاسباب يعيش الغزيون شتاء ثالثا قاسيا في العراء، وهي نفس الأسباب التي جلبت كل هذا الحقد الإسرائيلي للقطاع، وأن يدفع الفلسطينيون ثمن اخطاء البشرية جمعاء، هذا الأمر من الظلم أن يستمر، وإن كانت حكومة نتنياهو هي من يتحمل مسؤولية الجريمة، فإن على حماس أن تعترف أيضا بمسؤولياتها، لا أن تدفن رأسها في رمال غزة وكأنها لم ترتكب كل هذه الأخطاء منذ تأسيسها، وليس فقط في السابع من أكتوبر.