التحرر من موروث العنف
سؤال عالماشي- موفق مطر

ما زال العنف منهجا لدى المجتمعات التائهة ليس في بحثها عن سبل الخلاص، وإنما في تكريس وترسيخ مفاهيم وتعاليم موروثة، تنسب ظلما للثقافة الجمعية، وعممها ذوو نزعة سلطوية في تفسيراتهم وتحريفاتهم –عن قصد- للعقائد السماوية، واعتباره (العنف) ضمن أصول التربية وحتى التعليم، ومقومات الشخصية القوية!! الأمر الذي منح الإرهاب الفكري والنفسي والبدني الضوء الأخضر للانتشار، والتغلغل في مجتمعات وجد المتأصلون بالعنف ضالتهم فيه للإبقاء على سطوتهم في العائلة والمجتمع وصولا الى مواقع التشريع والتنفيذ في الدولة.. فالعنف عموما، إذا قارنا تعريفه في القانون الدولي بواقع مجتمعاتنا سنضع ايدينا على مواضع هذا الداء الفردي والجمعي الذي يؤكد حاجتنا إلى منظومة تربوية اخلاقية انسانية خالصة، تثبت المحبة والسلام والإخاء واحترام قداسة النفس الانسانية، والحرية وتكفل نضوج الشخصية، وتمنع تحديد آفاق بصيرتها وتفكيرها ورؤاها.
وقد عرّف القانون الدولي العنف بأنه: "الاستخدام المتعمد للقوة البدنية أو القدرة، بالتهديد أو الفعل، ما يؤدي إلى أذى جسدي أو نفسي أو قتل أو وفاة بآثاره" وصنف العنف تحت عناوين الفئة المستهدفة مثل المدنيين في النزاعات المسلحة حيث يعتبر جريمة حرب وضد الانسانية لما لها من آثار على جسد الانسان ومداركه العقلية، كالتعذيب والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان ويحتل العنف الجنسي مركز الاهتمام لتداعياته الخطيرة على واقع ومستقبل المُعنّف بالاغتصاب، أو بالاستغلال الجنسي، والحمل والعقم القسريين، وقد استحدث العنف الرقمي، أي استخدام التقنيات الالكترونية الحديثة للتهديد والاستغلال بنشر المعلومات الخاصة، أما العنف على خلفية النوع الاجتماعي (جنس الانسان) فما زال أبرز القضايا الاجتماعية الانسانية التي لا بد من معالجتها قانونيا وتربويا وتعليميا، وتنقية الموروث من رواسب صممت ونشرت بصيغ شبه مقدسة، أراد مستخدموها والمروجون لها، استغلالها لضمان ديمومة استعباد "الانسان الانثى" وإخضاعها لسلطة ذكورية لا صلة لها اطلاقا بالمعنى الحرفي للانسانية، وقيم الأخلاق وجوهر العقائد السماوية، وهذا المصنف تحت عنوان: "العنف ضد المرأة" الذي يسبب للانسان الانثى اذى جسديا ومعاناة نفسية، بسبب الضرب أو الاكراه أو الحرمان أو تقييد حريتها وطموحاتها وحتى منعها من اشهار أفكارها الخلاقة، ويجب الاقرار بجذور سامة ما زالت حية بحكم توفر المناخ المناسب لنموها لدى شرائح مجتمعية عديدة، ما زالت ترى امور الحياة مدفوعة بعقلية تفوق النوع الذكر على الأنثى!!
وهنا وجب علينا التأكيد أن تحرير هؤلاء من المفاهيم الموروثة الخاطئة، وإنشاء اجيال عقلانية، تعي فعلا المعاني السامية لمبادئ وقيم الأخلاق التي يكمن جوهرها بالمساواة والعدل والحرية للجنسين، ومدى انعكاس ذلك على تقدم ورقي المجتمع، وارتفاع مؤشر ازدهاره، ذلك أن العنف ضد المرأة وهي طاقة اقتصادية موازية للرجل، يعتبر سببا للتردي والتخلف الاقتصادي.
وقد تؤدي الاجراءات القانونية المعمول بها الى حماية المرأة (الانسان الانثى) بغض النظر عن سنها وحالتها، والشريحة الاجتماعية التي نشأت فيها، وترى في عاداتها وتقاليدها سجنا لأفكارها وحريتها ورؤيتها للانطلاق بإبداع في مسارات الحياة، الى تقليل نسبة العنف بأشكاله وأنواعه كافة في مجتمعنا، وتحديدا الموجه ضد المرأة التي يتم اسقاط المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الناتجة عن عنف وجرائم وسياسة الاحتلال الاسرائيلي وانتهاكاته على رأسها، حتى باتت ضحية مخزون القهر من ناحية والعجز من ناحية اخرى لدى (الرجل الذكوري) المتحلل من مبدأ نقد الذات والمسؤولية!
لكننا جميعا مدعوون في كل وقت –وليس في المناسبات– لطرح افكار خلاقة، يؤدي جمعها ونقاشها الى تكوين خطة وطنية لتحرير المجتمع الفلسطيني من العنف وفرزه بعيدا عن قواعد وسلوكيات وأخلاقيات النضال، وتنزه العقائد السماوية مما ينسب من اجازة العنف، حيث تأخذ مؤسسات الدولة زمام المبادرة فيها، ومعها منظمات المجتمع المدني، ولكن على اساس دراسات وأبحاث دقيقة، واستطلاعات عما تريده المرأة في بلادنا لتطمئن بشان مستقبلها بسلام اجتماعي، وحرية باعتبارها حقا طبيعيا وليس منحة.